وجهة نظر

شجرة ووردتان!

2018-04-25 18:39:18 |
  • يسرى الفخرانى
  • يسرى الفخرانى‎

    فى الصبح، من البيت إلى العمل أراه دائمًا، يروى حديقة صغيرة على الطريق، يحكى لكل مسافة خضراء فيها حكاية، يميل على كل زهرة زرعها وانتظر لكى يطمئن أنها فى مزاج يسمح لها بمزيد من الحياة والكثير من الألوان والبهجة.

    هذا فتى أسمر ربما لفحته الشمس أكثر مما يجب، فى منتصف العمر، لا يبدو لى من الوهلة الأولى أنه جناينى بسيط يعمل موظفًا بمرتب ضئيل، ولا أن تلك الحديقة الحلوة المعتنى بها عامة للجميع، يعمل الفتى بهمة استثنائية ربما أكثر من ساعات العمل المحددة له لكى يصبح مميزًا، لكى يُرضى على الأقل نفسه مثبتًا أنه يستطيع أن يفعل إنجازًا غير مسبوق، بإمكانات تكاد لا تكون متاحة، يغازل الأخضر ويحفظ ورقة ورقة من أشجاره، ويحنو على هذه الورود التى تخرج على يديه إلى الحياة فى غير أوانها!

    أصبح الفتى الجناينى جزءا من تفاصيل يومى، أحاول تفسير تلك النشوة التى تعلو وجهه وهو يعمل بجدية على كل زاوية فى حديقته الصغيرة، أتصوره يصلى وهو يعمل ويعمل وهو يصلى، مبتسمًا مهما كانت حرارة الشمس أو غيابها الرمادى الممطر فى الشتاء، على بعد مسافة قليلة منه مساحات أخرى من حدائق مهملة إلى درجة الدهشة، يرويها آخرون دون عناية، دون أمل، دون مشاعر، ولا غاروا منه ففعلوا مثله، ولا قلدهم فصار مثلهم.

    بسيط، تهون دنياه لأنه يراها صغيرة وجميلة ونراها كبيرة وصعبة، يفرش حديقته بما يتمنى وينتظرها فى صبر، وهديته أن يراها تكبر كأنها طفلته، لا يوجد ملاحظ يعبر على حديقته فيمنحه مكافأة استثنائية لأنه اجتهد أكثر من غيره، لكن يوجد عيون قليلة ترصد الفارق، جناينى المهنة لكنه مبهج عاشق يصنع السعادة مجانية لكل عابر سبيل.

    نتعلم الدرس من أمثال هؤلاء، كل واحد يمكن أن يصنع بصمة مهما كانت مساحة الدور المتاح له فى الحياة، يجتهد، يبدع، يتقن، مسألة بسيطة لمن لديه حماس النجاح، الجناينى يفهم لغة المواسم، أسرار البذرة التى تنبت شجرة عظيمة أو زهرة أنيقة، يفهم المواعيد التى تتساقط فيها حبة مطر، يفهم أن لا زرع يعيش وينمو إلا بالحب، إلا بتلك اللغة التى يتكلم بها مع حديقته الصغيرة.

    يومًا، سينتقل هذا الفتى الأسمر من حديقته إلى حديقة أخرى، يترك خلفه شجرة كثيفة تراقبه فى صمت وكبرياء وهو يمضى بعيدًا عنها ليزرع فى مكان آخر شجرة صغيرة أخرى، شعور صعب به قسوة الفراق، عزاؤه أنه سيمنح أشجارًا أخرى وزهورا قبلة الميلاد والحياة، وأنه قادر على أن يتحرك بالنيابة عن أشجاره المغروسة بقوة لكى يأخذ فرعا منها يدسه فى أرض جديدة مشتاقة لميلاد شجرة ووردتين.. وماء.

    يسرى الفخرانى
    للأعلى