وجهة نظر

ماذا يمنع روسيا من تسليم «إس 300» لبشار الأسد!

2018-04-24 10:07:11 |
  • د.أشرف الصباغ
  • منذ عام 2012 دأبت روسيا على مراجعة علاقاتها مع الغرب. وكانت الاتفاقات النظرية مع حلف الناتو عقب انهيار الاتحاد السوفيتى تقلق إدارة الرئيس بوتين منذ توليه السلطة.

    استفحل هذا القلق بعد أن شعرت روسيا بقوتها والشروع فى الدخول إلى ساحة المنافسة الرأسمالية الكبيرة مع القوى الكبرى.. وفى الحقيقة، فروسيا ما بعد السوفيتية لم توقع أى اتفاقيات مع حلف الناتو، وظلت تتهمه بأنه خالف الاتفاقات النظرية والوعود التى قدَّمها لجورباتشوف ويلتسين بأنه لن يتوسع شرقًا، وسوف يترك روسيا فى حالها. ولكن السياسة الكبرى والصراع على أسواق الطاقة وطرق نقلها، وعلى أسواق السلاح ومناطق تصريف فوائض القيمة والتراكمات المالية، لا يمكن أن تُبْنَى على الوعود.

    فى واقع الأمر، ليس توسع الناتو شرقًا هو ما يقلق روسيا، ولكنها تتعلل بهذا السبب للتغطية على عوامل وأسباب وتحركات أخرى فى ملفات اقتصادية وعسكرية، وأخرى تتعلق بالطاقة وبطرق نقلها وبالبحث عن مناطق نفوذ.

    انتبهت روسيا أيضًا إلى أنها "باعت" إيران عندما اتفقت معها على توريد منظومات "إس 300"، وبعد ذلك ظلت تساومها وتؤجل عملية التوريد، لأنها ببساطة شعرت أن الغرب غير راض عن تلك الصفقة التى يمكنها أن تخل بموازين القوى بين إيران وإسرائيل من جهة، وبين الأولى ودول الخليج من جهة ثانية.

    وقامت طهران برفع قضية على موسكو أمام المحاكم الدولية، إلى أن ساءت العلاقات الروسية مع الولايات المتحدة وحلفائها لأسباب كثيرة، فبدأت روسيا تعلل أسباب المماطلة والتسويف لكى تكتسب مجددا ثقة حليفها الإيرانى.. وقامت بتوريد المنظومات، ولكن ليس بالمواصفات المنصوص عليها. وقبلت طهران بذلك بسبب علاقاتها السيئة بالغرب، واحتياجها لموسكو التى نجحت فى تدجين الحليف الإيرانى بتقديم العديد من الخدمات له.

    الآن، تلوِّح روسيا بإمكانية تسليم منظومات "إس 300" لبشار الأسد لكى يتمكن من صد الضربات الغربية. واعترفت موسكو صراحة وبشكل مباشر بأنها لم تسلم الأسد هذه المنظومات لاعتبارات خاصة، على رأسها أن الغرب لم يكن راض عن مثل هذه الصفقة. ولكن الضربة الثلاثية الى وجهتها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا إلى مواقع تابعة لنظام الأسد، وضعت روسيا فى مأزق شديد الحرج أمام حلفائها، لأنها لم تستطع الرد أو الدفاع عن هؤلاء الحلفاء، كون الضربة لم تضر بقواتها المتواجدة فى سوريا.

    كان هذا هو شرط روسيا لمواجهة الضربات الغربية فى سوريا.. أما الغرب، فقد أخبر روسيا عبر قنواته العسكرية بالضربة وطالبها، وفقا للاتفاقات المبرمة بينهما بأن تبعد قواتها. وفى واقع الأمر فمنظومات "إس 300" موجودة فى سوريا ولكن روسيا لا تستطيع استخدامها ضد دول التحالف.

    روسيا لا تزال تفكر فى عواقب خطوة إقدامها على منح الأسد هذه المنظومات، لأن ذلك سيفتح عليها أبواب جهنم من كل حدب وصوب.. وبالتالى، لا تزال تلوِّح بهذه الورقة كتهديد فقط، بعد أن سلبها الغرب بضربته الثلاثية دورها فى التسوية السياسية وسحب البساط من تحت أقدامها، وبعث لها برسالة مفادها أن اليد العليا فى التسوية السياسية للأزمة السورية ليست لموسكو، وأنه قادر على نسف الكثير من الخطوات التى تتصور موسكو أنها حققتها وانتصرت فيها.

    لا أحد يعرف إلى أى مدى يمكن أن تسير روسيا فى مواجهة الغرب، ولكن موسكو تعرف جيدا أن واشنطن أيضا كانت، وما زالت، تبادلها موضوع عدم توريد الأسلحة لدول وأنظمة وحكومات. وبمجرد أن تحسم روسيا قرارها بتزويد "إس 300" إلى بشار الأسد، ستصل أسلحة معينة إلى الحكومة الأوكرانية، وإلى الحكومة الجورجية. ولا يستبعد بعض التقارير أن تتسلم أذربيجان وبعض حكومات آسيا الوسطى أسلحة أمريكية وأوروبية. وستدخل روسيا فى صراعات جديدة أكثر نشاطا وسخونة فى ظل عقوبات تدريجية ممنهجة من جانب الغرب، ولا أحد يعرف ماذا سيكون رد فعل إسرائيل، وإلى ماذا ستؤول علاقات موسكو وتل أبيب، وهنا أيضا، لا يمكن أن تتجاهل روسيا رد الفعل الاقتصادى الدولى، وبالذات من جانب الشركات والمؤسسات الدولية الكبرى المرتبطة بالنفوذ الإسرائيلى واللوبيات التابعة له.

    وإذا كانت التحليلات والتقارير، بشأن الضربة الثلاثية لقوات الأسد، لم تتطرق إلى تركيا والسعودية، فإن إحدى الرسائل المهمة التى بعثت بها هذه الضربة إلى هاتين الدولتين، تتلخص فى أن منظومات "إس 300" و"إس 400" لا يمكنها مواجهة بعض الأسلحة الأمريكية، سواء كان ذلك صواريخ مجنحة أو مقاتلات مثل "إف 35" الشبحية. إضافة إلى التحذيرات الأمريكية لدول أخرى من شراء الأسلحة الروسية، لأن هذه الدول سوف تدخل إلى قائمة الدول التى تضر بمصالح الولايات المتحدة، وترفض التعاون معها فى تطبيق عقوباتها على الشركات والمؤسسات العسكرية الروسية.

    الجانب الروسى يبحث الآن كل الاحتمالات، ويبدو أن الكرملين مصمم على المضى قدما فى مسارين أساسيين: الأول، استئناف صيغتى "أستانا" و"سوتشى" وإلقاء ظلال الشك على صيغة "جنيف".. والثانى، مساعدة نظام الأسد على كسب أكبر قدر من الأراضى لتحسين قدرات موسكو التفاوضية.. كما أن روسيا تبدو مطمئنة لدرجة مثيرة للتساؤلات لكل من الحليفين الإيرانى والتركى.

    من الواضح أن الغرب يدفعها إلى هذه الزاوية بالذات، انتظارا لحسابات جديدة قد تسفر عن تحولات غير محسوبة بالنسبة لموسكو، وفى كل الأحوال، يعتمد الغرب عدة سيناريوهات مختلفة وقابلة للتحريك، حتى فى ما يتعلق بنظام بشار الأسد، وبالأسد شخصيا. وهو الأمر الذى يثير قلق روسيا وإيران بشكل رئيسى.

    أما الأمر الآخر الذى يعتمد عليه الغرب، فهو عدم منطقية وجود نظام بشار الأسد فى أى تسويات سياسية، انطلاقا من أن أى شكل أو انتقال سياسى أو صيغة سياسية لا يمكن أن تتحقق فى ظل وجود نظام غير قابل للتطور أو الحياة، ولا يمكنه استيعاب التحولات الإقليمية والدولية. هذا السيناريو يتم تفعيله عبر مسارات كثيرة منها السياسى والدبلوماسى، ومنها الاقتصادى والعسكرى، ليتحول إلى شكل من أشكال الأمر الواقع.. بينما تواصل روسيا حملات إعلامية وسياسية أقرب إلى "غسل اليد" من ما سيحدث لاحقا، لأنها تدرك جيدًا أن الولايات المتحدة وحلفاءها لن يغادروا سوريا، طالما القوات الروسية موجودة فيها.. ومن الصعب تصور مغادرة الروس سوريا أو تخليهم، على الأقل فى المرحلة الحالية، عن نظام بشار الأسد الذى يعتبر "دجاجة تبيض ذهبا" لموسكو.

    د. أشرف الصباغ
    إقرأ أيضاً
    روسيا وضرورة تغيير أمريكا 2018-08-14 15:13:45 جوزيه ساراماجو فى نقد الفصام 2018-08-07 13:51:52 البشرية من الفناء إلى التحول 2018-08-01 09:04:02 أسقف إسرائيل العالية 2018-07-24 18:00:12 الخطأ الوجودى لترامب 2018-07-18 09:06:44 السيد الروسى فى جنوب سوريا 2018-07-10 14:01:18 الموقف المصرى فى سوريا وتنوع العلاقات 2018-07-03 16:10:34 قمة بوتين وترامب بين الوهم والخيال 2018-06-27 18:32:48 البطيختان الإيرانية والتركية 2018-06-19 15:16:30 القمة الأمريكية - الكورية الشمالية بحد ذاتها!  2018-06-12 18:15:16 مخاوف إيران من روسيا فى سوريا   2018-06-05 14:44:32 إرادة الجند فى رحاب العاشر من رمضان 2018-05-29 14:02:30 إيران وروسيا ولغة المصالح بعد شروط الولايات المتحدة 2018-05-22 09:54:20 أوهام روسيا حول موقف أوروبا من الاتفاق النووى الإيرانى 2018-05-15 13:12:51 محفوظ بين دوستويفسكى وجوجول 2018-05-08 12:30:50 نجيب محفوظ ومحمد صلاح 2018-05-01 16:02:43 بوتين والمواجهة مع أمريكا 2018-04-17 13:33:58 الحرب السورية 2018-04-10 11:42:45 حصار الغرب لروسيا وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها 2018-04-03 12:48:49 سوريا ما بعد الافتراضية 2018-03-27 14:40:58 سكريبال ونوفيتشوك وبوتين 2018-03-20 09:27:04 مصير كأس العالم أمام اختبار مواجهات روسية أمريكية! 2018-03-13 11:23:34 ماذا ستفعل روسيا إذا ضربت أمريكا الأسد! 2018-03-06 16:27:24 مفاجآت روسيا ومعجزاتها فى سوريا 2018-02-27 10:45:56
    للأعلى