وجهة نظر

ماذا لو صمت الجيوشى؟

2018-04-23 14:31:32 |
  • محمود بسيونى
  • ماذا لو كان الدكتور أحمد الجيوشى، نائب وزير التربية والتعليم للتعليم الفنى، قد آثر الصمت على الخريطة المسيئة لمصر فى مؤتمر تونس؟

    كان الأمر سيمر بالتأكيد، ولن يتوقف أحد ليصحح المغالطة، ويصبح عرضها فى أى بلد آخر أمرًا طبيعيًّا، ويتحول ما يقوله الباحث إلى حقيقة، ولن يتوقف أحد ليستفهم أو يستوثق فى ظل مناخ دولى يشجع على التقسيم، ويحمى من يحتلون أراضى الغير.

    ما جاء على الخريطة يكشف إلى أى مدى يستخف الباحثون بسيادة الدول، فنجد من يضع إسرائيل بدلاً من مصر، ومن يضع تركيا بدلاً من سوريا وهكذا، وذلك إذا افترضنا حسن النية فى الأساس، واستبعدنا فرضية أنها مقصودة، رغم أنها قد تكون كذلك، فهى ليست المرة الأولى التى يتم فيها التلاعب بخريطة مصر فى مؤتمر دولى، بل هناك عشرات الدراسات عن أوضاع الديمقراطية وحرية الإعلام والصحافة والفساد فى مصر، لم تتغير منذ عشرات الأعوام، وحينما تخاطب صانعيها بتحرى الدقة ومراجعة صحة ما يقولونه يتجاهلون طلبك، وهو ما أكد لى وغيرى، أن هناك تربصًا منهجيًّا بكل ما يجرى على أرض مصر من إيجابيات واحتفاء غير عادى بالسلبيات، وأن من يدّعون الحكم على الأشياء من منظور علمى هم أول من يتلاعبون بالحقائق، إرضاءً لسياسات وتوجهات من يمولهم.

    لقد شعر الدكتور الجيوشى بالقلق لخطورة ما جاء على الخريطة، فكيف تضع إسرائيل بدلاً من مصر؟ وكيف تتبجح وترفض تعديل الخريطة أو حذفها تمامًا، رغم أن ما بها لا علاقة له بمناقشات المؤتمر؟! وكيف مر هذا الموضوع من المنظمين التونسيين؟

    صحيح أن الوزير التونسى استجاب للطلب المصرى، ولكن الأمر يحتاج إلى تحقيق فورى، وفى تقديرى، وفق الشواهد المتاحة مما جرى، أعتقد أن الأمر تقف وراءه شلة ما، أحضرت ذلك الباحث تحديدًا، وأدمجت موضوعه عنوة فى المؤتمر، ليقدم ما جاء فى الخريطة.

    كثير من المؤتمرات يسير وفق هوى "شلة" من أصحاب التوجه السياسى الواحد، يسيطرون على مثل هذه المؤتمرات لصالح تمرير أفكارهم ورؤى فريقهم، ومن ثم تشويه خصومهم، ولعل ذلك هو ما دار فى عقل الدكتور الجيوشى ودفعه للتعامل بقوة وحزم مع ما جاء فى تلك الخريطة من أكاذيب، وصلت إلى حد التهديد بالانسحاب، ليسجل موقفًا مصريًّا محترمًا لأكاديمى لن يؤثر الصمت على أى إساءة تمرر ضد بلده.

    فى عالم يتربص بالهوية والحدود ويسقط التقاليد والصفات الجيدة المتوارثة، أصبح الحفاظ على تماسك الوطن مهمة صعبة، العقلاء غائبون عن العالم، والكل يبحث عن تحقيق أهدافه ومصالحه على حساب الآخرين، صراع شرس ومخيف لا يضع لحياة البشر قيمة، ما يجرى حولنا فى الشرق الأوسط جزء من ذلك الصراع الشرس، وأسلوبه لا يقتصر على استخدام الرشاش والدبابة، بل يمتد حتى للمسلسلات الدرامية وألعاب الأطفال، وما يتلاعب به البعض على الخرائط، قد نجده من يحاول تنفيذه بقوة السلاح عند أول لحظة ضعف يمر بها المجتمع.

    رفاهية الصمت لم تعد مقبولة، والحفاظ على الهوية وتماسك الدولة الوطنية فرض عين على كل مواطنى الدول العربية، المؤامرة حقيقة، وعمليات التقسيم تجرى على الخرائط فى العلن وأمام كاميرات التليفزيون، بل تجد من يبررها ويدافع عنها، ويتنازل عن هويته، وينسحق أمام هويات أخرى تريد احتلال بلاده، ومن يدّعى غير ذلك إما جزء من المؤامرة، وإما يمارس تخدير الذات.
    تحية لنائب الوزير الشجاع، وندعو الله أن يكثر من أمثاله.

    محمود بسيونى
    للأعلى