وجهة نظر

كان زمان

2018-04-07 09:19:57 |
  • أحمد سليم
  • أحمد سليم

    صباح يوم شم النسيم فى صبانا، كانت أمى، رحمها الله، توقظنا مبكرًا، مؤكدة أن من يستيقظ متأخرًا ذلك اليوم يظل طول العام كسولًا.

    كان فطور ذلك اليوم هو البيض الملون ونوعًا من الخبز كان يطلق عليه العيش المصرى، لا أدرى حتى الآن ما سبب ذلك.. وبعد ذلك كانت رحلة البحث عن وردة جميلة فى حديقة صغيرة بمنزلنا، أو الذهاب إلى قرية مجاورة لشراء زهور ونعناع أخضر.

    كان الريف المصرى مازال يحتفظ برائحة جميلة.. رائحة الخبز الخارج من الفرن البلدى.. بائعة السردين فى القرية.. بائع الفسيخ الشهير بمدينة طنطا.. طقوس يومية اعتدنا عليها عليها فى سنوات الصبا.. أصدقاؤنا فى المدرسة الإعدادية والثانوية.. أقاربنا فى نفس العمر.. لم تكن الطقوس تتغير، كل عام هى هى لم تتغير لسنوات طويلة.. قرية فى دلتا مصر.. يعرف الشباب فيها كل الأصدقاء.. أحلام كثيرة وكثيرة.. إفطار صباحى.. خروجة إلى الحقول او الحدائق..

    غذاء يحمل رائحة شم النسيم رنجة وبصل أخضر وخس.. مساءً رحلة إلى مدينة طنطا للذهاب إلى السينما.. مساءً جدًا.. سهرة مع حفلة عبد الحليم حول الراديو نستمع ونستمتع.. وآخرون حول راديو آخر يستمعون إلى فريد الأطرش، هنا وردة الجزائرية، وهناك فايزة أحمد.. كان احتفال شم النسيم يملأ برائحته أنحاء القرية بكاملها، ومدينة طنطا أيضًا، وقناطر زفتى وميت غمر وكفر الزيات.. لم نكن نعرف شيئًا عن احتفالات القاهرة أو الإسكندرية بأعياد شم النسيم، ولم نكن نعرف أيضًا لماذا نحتفل به.. هل هو عيد مسيحى أم عيد فرعونى.

    لم نكن نفهم سوى أنه عيد مصرى خالص نعيش فيه أجواءً احتفالية لكل المصريين.. لم تكن جماعات التكفير والهجرة أو التبليغ والدعوة قد تمكنت من أفكار الشباب لتقنعهم بأن السلام على المسيحى ذنب وأن تهنئته بعيده إثم كبير.. وكانت جماعة الإخوان الإرهابية تعيش فى زنازين السجون أو تحت الأرض.. كانت أيامًا جميلة.. لم نكن نعرف طريق السياسة بعد، ولا شاركنا فى خلافات مذهبية أو فكرية.. كانت أيام الصبا.. نحب الوطن ونمارس عقائدنا ونحتفظ بصداقتنا مسيحية أو مسلمة.. كنا نذهب جميعًا إلى عم عبيد كهربائى القرية أثناء عمله بغرفة مولد الكهرباء نحمل له إفطارًا رمضانيًا، وكان يحمل الكحك فى أعياده لأصدقائه.. كنا ننتظر العيد لنخرج مع أستاذنا ملاك، مدرس الانجليزية، وكان يكتب لنا معايدات بالانجليزية فى أعياد المسلمين.

    وتغيرت الأيام وذهبت العام الماضى إلى قريتى، اختفت شجيرات الورد من حديقة منزلنا، ولم توقظنى أمى مبكرًا لأنها كانت تنتظر زيارة لها فى مكان آخر.. واختفت رائحة الخبز لأن الأفران تهدمت وأصبح أبناء قريتى يشترون ويأكلون من خبز المدينة.. واختفى أغلب الأصدقاء فى رحلة طويلة لن يعودون منها ولكننا سنذهب إليهم ذات يوم.

    تغيرت الأيام وتغيرت قريتى، لم تعد هى التى عشت فيها، اختفت منها ملامح القرية.. المنازل ارتفعت إلى طوابق تسع.. وامتلأت بالمحلات التجارية والسوبر ماركت، واختفى بائع الفسيخ الشهير ومعه محله، وبنى مكانه برج كبير.. ولم يعد أبناء قريتى يهتمون بشراء زهور أو نعناع أو حتى الذهاب إلى السينما عصرًا، ورحل حليم ومعه رحلت الرومانسية والكلمات والألحان الجميلة.. تغيرت الأيام وتغيرنا.. رحل الأعزاء من حولنا وأخذوا معهم اغلب ما كنا نحب.. وبعد غد سأذهب إلى قريتى بمشيئة الله.. سأبحث عن من يمتلك فرنًا بلديًا وآخذ منه رغيفًا من العيش المصرى، وسأبحث عن وردة فى أحد الحدائق، وربما أعواد نعناع أخضر.. سأذهب إلى الحقل ألتقى من بقى وأتذكر من رحل، سأزو أمى مبكرًا لأذكرها بعادتها السنوية فى إيقاظى مبكرًا.. سأبحث فى كل الأماكن عن شم النسيم الذى أحببته وعشته أعوامًا كثيرة.. سأصحب معى أغانى لحليم وأقضى يومى فى الحقل، وربما أذهب إلى السينما.. تغيرت الأيام ولكن الحياة ستستمر.. سنعيش الذكريات ونحيى ما اختفى من حياتنا.. رحلة العودة إلى ذكريات زمان منها ننطلق دائما إلى أحلام المستقبل وأيام المستقبل.. شم نسيم جديد بطعم مصر الذى لن يتغير.. مصر التى ستظل تحمل الأمل للمستقبل.. بطعم الحنين إلى خبز أمى، وزهور حديقتى، وأغنيتى المفضلة، أدعوكم لنحتفل بشم النسيم.. كل عام وأنتم بخير.

    أحمد سليم
    للأعلى