وجهة نظر

سيدة المترو... ياريس!

2018-04-05 09:31:55 |
  • حنان أبو الضياء
  • صناعة الأمل واستثماره فى النفوس كل ما تحتاجه مصر الآن، وهناك ملايين الدولارات قد تدفع ثمنا لإشعال جذوة الأمل فى النفوس، وليس أعظم ولا أجمل من يد تمسك بطفل وتقوده إلى المستقبل مواجَه المخاوف وطاردة الخوف من أعماقه، لتبقى جذوة الأمل بداخله حيّةً.

    وهذا فن لا يتقنه إلا قلة قليلة من الناس فقط، وعملًا ليس باليسير، ولكنه ليس مستحيلًا، ولكن يحتاج الى شخصيات تؤمن بما تقوم به معتمدة على الطاقة التفاؤلية الإيجابية لخلق رؤى قادرة على البناء، وهذا ما تفعله "سيدة المترو" المجهولة الهوية يوميا فى عربات المترو.

    فتلك السيدة التى تبدو أنها فى الأربعينات من عمرها تقف فى المترو بعربية السيدات لتغنى للأطفال أغانى تربوية هادفة جميلة، بوجه بشوش يدعو الى التفاؤل والأمل مما يجعل الكثيرات من الشابات يشاركن معها بالغناء مع الأطفال، ويتبع ذلك توزيعها هدايا مجانية للأطفال عبارة عن ميدالية صغيرة مكتوب عليها "الله يحبك".

    إننا أمام تجربة إنسانية رغم بساطتها إلا أنها تملأ قلبك أملًا ونفسك تفاؤلًا وتؤكد أنه بأقل القليل من الأفكار الصادقة الصادرة من أناس لا يبغون إلا وجه الله، وعمل الخير يصبحون آليات فعالة للانتقال من السيئ إلى الحسن ومن الحسن إلى الأحسن، فما تفعله تلك السيدة يوميا بمجهودها الشخصى قادر على جعل هذا الطفل إنسانًا متفائلًا مقبل على الحياة، يمتلك رصيده الخاص من الأمل.

    "سيدة المترو" تلك المرأة الباعثة الأمل فى نفوس الركاب والتى تبدل حالهم من النقيض إلى النقيض وكأنها تملك عصا سحرية بتلك الأغانى البسيطة التى تغنيها للأطفال، ومع ذلك تخرج هواجس اليأس، والقنوط الموجود داخل قلوب بعض راكبات المترو الكبار، فتبعد نظرة التشاؤم واليأس وتحولها الى بريق للأمل.

    إن تلك السيدة الرافضة لذكر اسمها أو تصويرها لنشر ما تفعله فى وسائل السوشيال ميديا، مؤكدةً أن ما تفعله لا تريد من ورائها شهرة أو تسليط أضواء ولكن عملية نشر العادات التربوية البسيطة لدى الأطفال والتى افتقدوها فى السنوات الأخيرة، فلا بيت يزرع قيم المحبة والعمل وإيثار الغير، واحترام الكبير، ولا مدرسة هدفها الأساسى قبل أن يكون تربوى، خلق أنسان يملك قدر كبير من المثل والقيم.

    إن تجربة السيدة تحتاج الى الدعم فبالتأكيد أذا تم مد يد العون اليها من خلال هدايا تقدمها للأطفال مكتوب عليها تلك القيم والأخلاقيات؛ ستصنع الكثير مع هؤلاء الأطفال، وخصوصا أن راكبو المترو ووسائل المواصلات من شرائح اقتصادية شتى، وإن كان الغالبية العظمى منهم من الطبقة الوسطى ومحدودى الدخل الذين تجرعوا اليأس من خلال قنواتٍ شتى تبثَّ الانهزامية وتشجع على انتشار الأمراض الأخلاقية.

    "سيدة المترو" تجربة يجب دراستها وتعميمها وأتمنى أن تنتبه إليها أجهزة الدولة ليستفيدوا من أفكارها، بل أحلم باهتمام خاص من مكتب الرئيس، فما تفعله السيدة هو أحد أحلام وأهداف الرئيس نفسه بإشعال جذوة الأمل فى الصدور، فما بالنا وأن هذا يتم يوميا فى صمت وبإمكانيات سيدة واحدة.

    إن قدرة "سيدة المترو" على الإنجاز فى تغيير نفسية الطفل فى لحظات تفوق ما يصرف عليه من الملايين ولا يأتى إلا بالقليل، أنه صورة واقعية لقدرة الإنسان على الفعل، والإيمان أن الإنجاز سيأتى بقدر تحريه عنصر الفعالية، وارتباطه بغاية سامية يبغيها، وخصوصا أنها أعمال تتجاوزه مصلحته الشخصية إلى المصلحة العامة ومن مكافأتها الدنيوية إلى هدف أسمى وأكبر، وبمقدار هذا التجاوز تكون النتيجة، وبالأخص أن ما تفعله مرتبط ببصيرة ترى دوره فى المستقبل وتعرف أثر إنجازه حال تحققه.

    إننا فى حاجة ماسة إلى تلك الأعمال التطوعية الإيجابية لنشر التفاؤل والأمل، وتحقيق السعادة، وتلك التصرفات البسيطة من "سيدة المترو" هى صلب "علم النفس الإيجابى"، والذى نحتاج إلى تطبيقاته التى سنجنى آثارها الواعدة فى الحال.

    إن تلك الأغانى والهدايا البسيطة من "سيدة المترو" قادرة على إبراز الخصائص الإنسانية الإيجابية مثل الرضا، والتفاؤل، والامتنان والاعتراف بالفضل.

    وتمتع الطفل والكبير بالتفاؤل يجعلهم أكثر قدرة على التفكير المستقبلى الذى يدفعهم للأمام لأداء مهام أكبر، أو على الأقل إحساسهم أن هناك من يحبهم ويحنو عليهم، فنبنى النفوس السوية غير المتشائمة.. مدوا يد العون لسيدة المترو.

    حنان أبو الضياء
    إقرأ أيضاً
    هل تدخل «دينا» الأمم المتحدة بقدمها اليمنى؟ 2018-10-11 11:28:32 ستيفن سيجال.. بالروسى! 2018-10-04 10:47:37 بالسينما والوثائق.. بروباجندا الحروب مستمرة! 2018-09-26 12:13:14 فعلها «مروان».. وسوف يثبتها التاريخ! 2018-09-19 11:10:54 «الفيس بوك».. عدوك «الناعم» القادم بقوة 2018-09-13 09:29:54 مروان والهجان.. وجهان لعملة واحدة! 2018-09-06 09:50:57 يسمع منك ربنا يا «نتنياهو»! 2018-08-30 12:31:54 كلمة السر برانسون و«جولن»! 2018-08-23 13:37:48 أردوغان وتميم .. توأم سيامى سياسى! 2018-08-16 11:36:02 من حضَّر العفريت قد لا يستطيع صرفه! 2018-08-02 09:44:30 ماكرون وكوليندا.. وبينهما بوتين! 2018-07-12 09:49:23 مدخل الجنة...«صهيونى»! 2018-07-05 13:37:19 «وراس أبويا».. بحبك! 2018-06-21 09:47:25 المنتحرون تقربًا إلى الله! 2018-06-14 10:00:33 مسلسل الرعب «الإنترنتاوى»! 2018-06-07 10:28:16 «برنارد لويس».. مات غير مأسوف عليه! 2018-05-31 09:57:18 سر الخلطة التميمية للتقرب من «الجماعات اليهودية» 2018-05-26 09:16:11 فعلها السنغافورى «مدرسة تفكر.. وطن يتعلم» 2018-05-10 09:53:16 «دان براون» والهدف الخفى للروبوت «صوفيا»! 2018-04-26 10:05:48 غزو إسرائيل بمحمد صلاح! 2018-04-19 09:37:02 «بر بحر».. الجيل السادس من الحروب! 2018-04-12 10:37:11 ليلة بكى فيها الإخوان 2018-03-29 09:40:08 أنجيلا ميركل.. أيقونة «برج السرطان»! 2018-03-15 10:51:32 المتصوفات فى عالم «نون النسوة» 2018-03-08 09:51:21
    للأعلى