وجهة نظر

مَن يبقى؟

2018-04-05 09:21:14 |
  • إيرينى ثابت
  • ضمن الطرق المتعددة التى يحاولون بها التعرف على الشخصية طريقة: "ما هو سؤالك المفضل".. وهى طريقة قد تكشف بعض ما يهمك فى الحياة، وقد تساعدك أن تتعرف إلى ذاتك.

    ولأن الشخصية الإنسانية مركبة وكثيرة التعقيد، لا تنفع طريقة واحدة لقياس توجهاتها أو كشف خباياها، ولكن تبقى طريقة معرفة الذات بطرح الانسان للسؤال أكثر تميزًا من الطرق التى تعتمد على أن يجيب الإنسان على أسئلة يتم طرحها عليه.. وفى طريقة "ما هو سؤالك المفضل؟" تسأل نفسك: أى كلمة من كلمات الأسئلة هى الأقرب إلى لسانى وعقلى وسعيى للمعرفة؟

    بعض الناس يفضلون "لماذا؟" وهم غالبا المخترعون والفلاسفة الذين يبحثون عن أسباب الظواهر، ويضعون النظريات، ويسعون لمعرفة لماذا تسير الأمور بهذه الطريقة أو تلك!! وآخرون يفضلون "كيف؟" وهم العلماء والمديرون والقادة والمنفذون والعمليون وأصحاب النهج المنظم والفكر التنفيذى، إذ يهتمون بطرق وكيفية تسيير الأمور، وقد يهتم البعض بـ"متى؟" أو "أين؟" وهم الذين يهتمون بالتفاصيل ويدركون قيمة الزمان والمكان ولا يضيعون الفرص، وقد يكون العمل المناسب لهم هو السكرتارية والتنظيم وحجز الرحلات وعمل الجداول والتنظيمات المختلفة، وهناك أيضًا من يهتم بـ"ماذا؟" مع الفارق الكبير بينها وبين "لماذا؟".

    وتأتى الأشياء فى بؤرة اهتمام أصحاب "ماذا؟" فيدركون قيمة الأشياء ويستطيعون بسهولة تمييز الثمين من الأقل قيمة، وربما يكون ضمن هذه المجموعة كل من يتعامل مع المعادن والمواد الملموسة والمقتنيات الثمينة وكل أنواع المنقولات، وطبعا هناك من تأتى "كم؟" على رأس قائمة أسئلتهم، وهم الذين يهتمون بحساب كل شىء بالأرقام.

    أما الأقل حصافة من كل هؤلاء – وهم من أمثالى – فيأتى سؤالهم الأول والأهم بـ"من؟"، إذ يهتم أمثالى بالأشخاص، بالإنسان، ونقيس كل الأشياء والنظريات والأفعال، بل والمكان والزمان والأشياء والأرقام من وجهة نظر واحدة، ألا وهى علاقة كل ما سبق بالإنسان!!

    ونصبّ اهتمامنا الأول على حياة الإنسان كلها بدءا من فكره ومبادئه وما يؤمن به وما تربى عليه، إلى شخصيته وسلوكه وأخلاقياته وعلاقاته ومعاملاته، وأيضا صحته النفسية ومشاكله الداخلية وانعكاس ذلك على تصرفاته، بل ونهتم باختبارات مثل اختبار "ما هو سؤالك المفضل؟" وغيره مما يكشف ولو بعضا من الشخصية الإنسانية المركبة التى هى غاية فى التعقيد وغاية فى الجمال وأكثر متعة وإثارة فى كشف خباياها من كل ما هو فى الطبيعة من موجودات – هذا بالنسبة لأمثالنا من هواة الإنسان، وتأتى فى إطار الاهتمام بالإنسان فكرة أكثر تحديدا وسؤال أكبر أهمية من غيره، ألا وهو "من يبقى؟".

    وهو سؤال ينبغى أن يطرحه كل واحد على نفسه فى فترات معينة فى حياته، إذ تأتى مراحل يتطور فيها الإنسان ويتغير قليلا أو كثيرا بفعل الأحداث من حوله واختلاف مراحل عمره وتطور طريقة تفكيره، وعندئذ يسأل نفسه عمن حوله من أصدقاء ومعارف ومقربين: "مَن من هؤلاء ينبغى أن يبقى فى حياتى؟".

    ولتيسير الإجابة يتفكك السؤال إلى سؤالين: "من يشكل أهمية ومعنى فى حياتى، ومن الذى لا ولم يشكل وجوده أى فرق بالنسبة لى؟" و"من الذى لا يمثل وجودى فى حياته أى معنى، ومن الذى سوف لا يزول تأثيرى فى حياته أبدا؟".

    والسؤالان لا ينبغى أخذهما بمعنى أنانى، بل يتم طرحهما فى ضوء التأثير المتبادل بينى وبين الآخر.

    فننظر إلى أهمية الوجود المتبادلة بين شخصين، وننظر إلى العلاقات الإنسانية التى توجد لفترة ما ثم تفقد قوتها، ونقارنها بعلاقات أخرى تبقى بتأثيرها القوى فى حياة الطرفين طوال حياتيهما.

    وهكذا تتضح الرؤية ويسهل تصنيف العلاقات الإنسانية، وهذا هو دور التقييم الذى يتبعه استبقاء أو استبعاد هذه الشخصيات وتلك من محيط بعضها البعض.

    حقًا إن الشخصية الإنسانية متنوعة الاهتمامات، ومتميزة التوجهات، ومختلفة الأسئلة، ولذلك تتنوع علاقاتها أيضا، فمن الناس مَن تفقد علاقتك به ولا يبقى فى مستقبلك بل يظل جزء من الماضى، أو ذكرى، أو قد ينسى، ومنهم من يبقى فى حياتك كجزء من وجودك حتى وإن باعدت بينكما الأماكن أو الأزمنة أو الأقدار، وتبقى أنت أيضا له وفيه.

    إيرينى ثابت
    للأعلى