وجهة نظر

حصار الغرب لروسيا وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها

2018-04-03 12:48:49 |
  • د.أشرف الصباغ
  • نجحت روسيا فى الفترة ما بين عامى 2000 و2012 فى تجاوز العديد من الأزمات، وتمكنت من تحقيق معدلات نمو لا بأس بها، علاوة على تسديد ديونها وزيادة جانب من ودائعها فى الدول الغربية وسندات الخزانة الأمريكية والاندماج النسبى فى الأسواق المالية العالمية.

    بداية من عام 2013، دخلت روسيا فى منطقة الصراع الحقيقى على أرضية النسق الرأسمالى العالمى الجديد مع بقية القوى الرأسمالية التقليدية.

    وكان من الطبيعى أن تصطدم طموحات روسيا بالعديد من العقبات، وتدخل فى مواجهات وأفخاخ ومصائد، وتتورط فى مغامرات وفقا لنمط تطور الرأسمالية التقليدى، ووفقا لعدد من العوامل التى تتعلق بالأنساق الرأسمالية الجديدة، سواء فى ما يخص تصريف التراكمات المالية والبحث عن مناطق نفوذ، أو الصراع على مناطق نفوذ قديمة، لتصريف الخامات والأسلحة، إضافة إلى البحث عن مصادر للتقنيات الرفيعة التى يحرمها منها الغرب كما حرم الاتحاد السوفيتى من قبل.

    المشهد الراهن يكاد يعكس نسق العلاقات القديمة بين الاتحاد السوفيتى "الاشتراكى" والغرب "الرأسمالى"، وتتجه العلاقات، أو بالأحرى بدأت العلاقات بين روسيا ما بعد السوفيتية والغرب تسير نحو مزيد من التدهور، سواء بسبب أوكرانيا أو سوريا أو البلطيق أو كوريا الشمالية أو البلقان، أو بسبب معركة طرد الدبلوماسيين بين موسكو والعواصم الأوروأطلسية.

    والمسألة الأخيرة بالذات تبدو كرسالة سياسية متبادلة، غير أن استمرار التصعيد أصبح يهدد عمليا بإعادة العالم إلى ذلك المشهد الدولى المرعب فى زمن الصراع بين الاتحاد السوفيتى والولايات المتحدة، وفى مركزه بطبيعة الحال الحرب الباردة وسباق التسلح وتوزيع مناطق النفوذ.

    فى زمن صراع، ما قبل انهيار الاتحاد السوفيتى عام 1991، كانت موسكو تعيش مستويات مختلفة ومتباينة من القطيعة مع الدول والمؤسسات الغربية وغير الغربية أيضا.

    والمعروف أساسا أن الغرب يمثل مركزا للتطور العلمى والتقنى، ويعتبر مركزا ماليا واقتصاديا وتجاريا، أو فى أسوأ الأحوال يقتطع لنفسه الجزء المهيمن عمليا على هذه المراكز، ونعرف أيضا أن تلك القطيعة بدرجاتها وأنساقها وأفخاخها المتباينة أثَّرت بشكل غير عادى على الاتحاد السوفيتى والعديد من دول ما كان يسمى بـ"الكتلة الشرقية" أو "دول حلف وارسو"، وكانت النتيجة، هى ضعف اقتصاداها، وتأخر تطورها العلمى - التقنى والصناعى، وتخلف أدوات الانتاج وعلاقاته أيضا.

    بطبيعة الحال، كان الاتحاد السوفيتى يهرب من ذلك الحصار نحو تعزيز علاقاته ومواقعه مع دول شرق أوروبا وبعض دول الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية، إلا أن هذه الدول كلها مجتمعة لم تمنح السوفييت البدائل والعوامل والأدوات المناسبة عن العلاقات مع الغرب، وهو ما كان من شأنه أن يساهم فى التطوير على المستويين الداخلى والخارجى فى عدد من المجالات المهمة، وعلى رأسها مجال التقنيات الرفيعة وتحديث الصناعات، وبالتالى، كانت النهاية الحتمية و"الطبيعية" للدولة السوفيتية وكتلتها الشرقية فى "حلف وارسو".

    اليوم، ومع كل المشاكل والأزمات إلى كانت فى حقبة الاتحاد السوفيتى، يختلف وضع روسيا الجديدة عن ما كان عليه وضع الاتحاد السوفيتى السابق، فهى لا تهيمن على دول أوروبا الشرقية، وخسرت الكثير من مواقعها فى آسيا وإفريقيا وأمريكيا اللاتينية، وباتت دول الجوار التاريخى "جمهوريات آسيا الوسطى وما وراء القوقاز" التى كانت تمثل الحديقة الخلفية لروسيا، باتت أكثر قربا من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى، وربما تابعة لهما بدرجات مختلفة، وذلك فى ما يخص جورجيا وأوكرانيا، وأذربيجان ومولدوفا بشكل جزئى، أما دول مثل طاجيكستان وقيرغيزستان فهى تعيش على موارد روسيا فى الأساس ولديها مشاكل لا حصر لها، أى أنها تمثل عبئًا ثقيلا.

    منذ عام 2013 دخلت العلاقات بين روسيا والغرب إلى نفق طويل رمادى اللون، وجاءت أزمة تسميم عميل الاستخبارات العسكرية الروسية السابق سيرجى سكريبال وابنته فى بريطانيا كالقشة التى قصمت ظهر البعير، وبات المشهد مشابها إلى حد كبير "على الأقل إلى الآن" لمشهد الصراع بين الاتحاد السوفيتى والولايات المتحدة.

    الخطير هنا أن روسيا خلال السنوات العشر الأخيرة، بدأت مشروعات عملاقة وطويلة الأمد مع العديد من الدول فى الغرب والشرق: مشروعات "ترانزيت للغاز، وبناء مفاعلات نووية، وتوريد أسلحة، وإقامة مناطق صناعية وأخرى للتجارة الحرة، ومنح بعض الدول قروضا ضخمة طويلة الأجل مرتبطة عموما بتنفيذ العديد من تلك المشاريع السابقة".

    بينما تتزايد المخاوف من أن يقوم الغرب باتخاذ خطوات وإجراءات أكثر قسوة وصرامة ضد روسيا، من بينها ما ألمحت إليه رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماى بشأن حظر تداول السندات الروسية فى السوق البريطانية.

    وهذه عملية تستفيد منها وزارة المالية الروسية لتغطية عجز الميزانية وتمويل مشاريع عديدة ضمن الخطة الاقتصادية للحكومة، إضافة إلى أن تلك السندات توفر أحد البدائل المهمة للمصارف والبنوك الروسية عن التمويل الخارجى، وبطبيعة الحال.

    فقد فقدت روسيا فوائد وعوائد ضخمة بعد إقرار الغرب عقوباته عليها منذ عام 2014 بسبب الأزمة الأوكرانية، وهو ما حَدَّ أيضا من إمكانية استفادة مصارفها وبنوكها من منتجات الأسواق المالية الغربية وأدواتها وبرامجها.

    هناك أيضا مشروعات روسية كثيرة مؤجلة مع العديد من الدول الغربية، وبالذات فى ما يتعلق بالغاز الروسى وطرق نقله، وبطبيعة الحال، لن يرك الغرب يد روسيا مطلقة فى هذه المشروعات "فى حال تنفيذها" بل سيحد من سطوتها وهيمنتها بموجب مواثيق وقوانين وتوازنات قوى.

    كما أن روسيا على استعداد للتضحية بموارد كثيرة لكى لا تفقد حليفها التركى على الأقل فى المديين القريب والمتوسط. وهو ما ينطبق بدرجات معينة على حليفها الإيرانى، عدا ذلك، لا حلفاء أو شركاء حقيقيين لروسيا التى تنزلق إلى نفس الزوايا الضيقة التى انزلق عليها الاتحاد السوفيتى، ولكن ليس من مصلحة الغرب إطلاقا القضاء على روسيا أو تفكيكها، كما تروِّج لذلك الآلة الإعلامية الروسية فى الداخل لأسباب معروفة.

    كل ما فى الأمر أن الغرب يريد روسيا بمواصفات معينة: لا قوية ولا قادرة على المنافسة، ولا ضعيفة إلى حد التفتت، والمثير للدهشة أن موسكو تعرف ذلك جيدا، وفى الوقت نفسه لا تستطيع التراجع عن سيناريوهاتها أو الحد من طموحاتها، والأكثر إثارة للدهشة، أن الغرب نفسه يدفع فى هذا الاتجاه بقوة.

    ويبقى السؤال مطروحًا فى ظل هذا المشهد الذى يمكن أن يتطور إلى الأسوأ: هل ستتمكن روسيا فى ظل هذا المشهد الحالى وتطوراته المستقبلية من الوفاء بتعهداتها والتزاماتها نحو المشروعات الكبرى مع الدول الأخرى؟، وخصوصا تلك المشروعات التى تقوم هى بتمويلها كليا أو جزئيا.

    أشرف الصباغ
    إقرأ أيضاً
    البطيختان الإيرانية والتركية 2018-06-19 15:16:30 القمة الأمريكية - الكورية الشمالية بحد ذاتها!  2018-06-12 18:15:16 مخاوف إيران من روسيا فى سوريا   2018-06-05 14:44:32 إرادة الجند فى رحاب العاشر من رمضان 2018-05-29 14:02:30 إيران وروسيا ولغة المصالح بعد شروط الولايات المتحدة 2018-05-22 09:54:20 أوهام روسيا حول موقف أوروبا من الاتفاق النووى الإيرانى 2018-05-15 13:12:51 محفوظ بين دوستويفسكى وجوجول 2018-05-08 12:30:50 نجيب محفوظ ومحمد صلاح 2018-05-01 16:02:43 ماذا يمنع روسيا من تسليم «إس 300» لبشار الأسد! 2018-04-24 10:07:11 بوتين والمواجهة مع أمريكا 2018-04-17 13:33:58 الحرب السورية 2018-04-10 11:42:45 سوريا ما بعد الافتراضية 2018-03-27 14:40:58 سكريبال ونوفيتشوك وبوتين 2018-03-20 09:27:04 مصير كأس العالم أمام اختبار مواجهات روسية أمريكية! 2018-03-13 11:23:34 ماذا ستفعل روسيا إذا ضربت أمريكا الأسد! 2018-03-06 16:27:24 مفاجآت روسيا ومعجزاتها فى سوريا 2018-02-27 10:45:56 التسخين نحو الحرب فى سوريا.. ولا حرب! 2018-02-20 14:53:09 نقلة الشطرنج الأمريكية - الإسرائيلية الجديدة فى سوريا 2018-02-13 15:39:00 الثلاثى الضامن لاستمرار الحرب فى سوريا 2018-02-06 10:55:49 الكمَّاشة الأمريكية التركية حول روسيا 2018-01-30 13:07:18 حوارات الطرشان فى سوريا 2018-01-23 14:12:34 المحور الروسى فى سوريا والأفخاخ الممكنة 2018-01-16 14:11:01 السنوات السبع العجاف فى سوريا 2018-01-09 11:43:52 روسيا بين سوريا وإيران فى 2018 2018-01-02 16:05:43
    للأعلى