وجهة نظر

لماذا لا ينتخبون!

2018-03-29 09:41:45 |
  • إيرينى ثابت
  • إيرينى ثابت

    أما وقد انتهت الانتخابات الرئاسية.. وأغلقت صناديق الاقتراع.. وبدأ العد التنازلى نحو بداية ولاية جديدة فى رئاسة مصر، صار لزامًا علينا أن نقف وقفة مراجعة وفهم واستبيان.. لنرى حقيقة مشاركة الشباب من عدمها ونتدراس الأمر.

    من واقع كشوف الاقتراع سيظهر لأولى الأمر النسب الصحيحة للفئات العمرية المختلفة ومدى مشاركة كل فئة، وقد يظهر أن الشباب قد شاركوا بالفعل أو أن مشاركتهم ليست بالقدر الكافى فى هذه الانتخابات.. وغالبًا ستظهر نماذج مختلفة من الذين يقومون بالتعليق على ذلك ويتهمون غير المشاركين بالانسياق وراء السوشيال ميديا ودعواتها للمقاطعة.. وربما يتناسون أن السوشيال ميديا أيضا احتضنت دعوات المشاركة!! وقد يتم اتهام الشباب الذين لم يشاركوا بانعدام الوطنية، وبالأنانية، وباتهامات أخرى عشوائية..

    ولكن الأمر يحتاج وقفة لدراسة الأمر والوقوف على أسبابه قبل الحديث عن العلاج..

    والبداية هى أن نتناسى معطيات الوطن التى نفهمها نحن كأجيال أقدم من جيل الشباب، ونضع أنفسنا مكانهم ونتخيل معطيات الوطن بالنسبة لهم – حتى لو كان ذلك سيبدو صادما بالنسبة لنا..

    ينبغى أن ننتبه إلى أن هؤلاء الشباب قد شهدت طفولتهم ثورتين، وضحايا، ودماء، ودهس، ومظاهرات، وانفلات أمنى، وطوارئ، ودبابات ومدرعات فى الشوارع، ومسيرات حاشدة، وانتماءات غاضبة، وأحداث لم يهتم مجتمعنا أن يدرس أثرها على هؤلاء الأطفال آنئذ الذين صاروا الآن مراهقين وشبابا!!

    ينبغى أيضًا أن ننتبه إلى أن معظم هؤلاء الشباب لم تشهد طفولتهم ذهابا للمدرسة بانتظام، ولا شهدت تنمية وجدانهم الوطنى بتحية العلم اليومية، ونشيد بلادى بلادى، وحماسة الوطن التى تسكن الوجدان منذ الطفولة المبكرة.. ولنتذكر أن معظم المدارس الحكومية التى استولى عليها فكر متطرف لم يكن الوطن فى حسبانها ولا كان طابور الصباح فيها يحوى علما ولا نشيدًا.

    ينبغى أن نتذكر أن هؤلاء الشباب حين كانوا أطفالًا امتلأت ذاكرتهم بدعوات الهجرة والسفر خارج الوطن الذى لا يعلم مصيره أحد وهو يترنح بين أيادى الثورات والمتطرفين والقوى الخارجية التى تتربص به، والانتماءات الداخلية المتنازعة.. فماذا كان يسمع هؤلاء الأطفال من ذويهم وعائلاتهم؟ عم يقول سأقدم فى الهجرة العشوائية، وخال يسعى للحصول على تأشيرة سفر أو عقد عمل خارج مصر.. رغبات متعددة بأقوال صريحة للهروب بالأسرة من الوطن حتى (يبان له مستقبل).. أما لو كان الأب أو الأم قد اختارا أن يبقيا بأولادهما فى الوطن، فقد كانت الجملة الشهيرة آنذاك هى: (احنا قاعدين فى بلدنا مهما عملوا فينا مش هنسيبها لحد ما نموت!!)

    يجب أيضًا أن نتذكر كيف صرخ هؤلاء الشباب وهم فى سن الطفولة والمراهقة من انقطاع الكهرباء وطوابير البنزين؟ وكيف سمعوا شكاوى الأهل والاختناق من الظروف السوداء التى عشناها جميعا منذ خمس سنوات؟.. نحن لا ندرك أن خمس سنوات فى عمر هؤلاء نقلتهم من الطفولة المتأخرة أو المراهقة إلى الشباب.. جعلت أعمارهم الآن فى وقت الانتخابات 18 إلى 22 سنة.

    هل نفهم كيف عاش هؤلاء الشباب طفولتهم فى وطن أبعد ما يكون عن الاستقرار؟ وكيف تم حرمانهم من الرحلات والخروج لانعدام الأمن؟ وكيف كانت كل الأحاديث التى تتناول الوطن حول آذانهم وأفهامهم هى أحاديث الخوف من الحاضر المظلم، ومن المستقبل الضبابى؟

    هل جربنا من قبل أن نسأل هؤلاء الشباب عن أفكارهم لا لنناقشهم فيها ونثبت خطأها، بل لنفهم ما يدور بخلدهم؟ هل نسمعهم أصلا ونحاول أن ننظم أفكارهم ونشعر بآلامهم حتى ما نفكر فى التعاطى السليم مع ما فى أدمغتهم من الأفكار؟

    أما وقد أغلقت صناديق الاقتراع، أرجو ألا ننسى تلك الوقفة التى نستبين فيها لماذا لا يشارك كثير من الشباب فى الانتخابات.. أرجو ألا نرجئ الأمر لانتخابات قادمة لمجلس الشعب مثلا.. أرجو أن يدرس المختصون مشكلات الانتماء الوطنى لدى الأجيال الجديدة أسبابها وطرق جديدة لفهمهما وطرق أحدث لعلاجها.

    إيرينى ثابت
    للأعلى