وجهة نظر

سوريا ما بعد الافتراضية

2018-03-27 14:40:58 |
  • د.أشرف الصباغ
  • متابعة الأحداث فى سوريا باتت تعكس واقعا موازيا أقرب إلى حالة افتراضية تعبر عن دولة وهمية تجرى فيها أحداث "تشيب من هولها الولدان".

    وسائل الإعلام الروسية التى تعيش أصلا فى عالمٍ موازٍ تطرح "الأزمة السورية" على عده مستويات تشترك فى عامل واحد، ألا وهو ذلك العالم ما بعد الافتراضى.

    وذلك نظرا لأن العالم الافتراضى التقليدى أصبح جزء من الواقع الحقيقى، وبالتالى فالمتابعة المستمرة للتصريحات الروسية وتغطيات الإعلام فى روسيا لما يجرى فى سوريا عموما، وفى الغوطة الشرقية على وجه التحديد، يعطى انطباعا بأن الإعلام الروسى والمحللين الروس يعيشون فى عالم آخر لا علاقة له بالعالم الواقعى.

    كما يعطى انطباعا أيضا بأن القارئ يجب أن يتخلص من الواقع والعقل والمنطق، ويعثر على زاوية ما بعد افتراضية لكى يفهم ما تقوله وسائل الإعلام الروسية التى تعيش فى أكثر من عالم، وكل هذه العوالم موازية وموازية للواقع الحقيقى فى الأساس.

    فى كل الأحوال، يجد القارئ أو المشاهد أو المتابع نفسه إما أنه يعيش خارج الكون، أو أن ما تبثه روسيا من تصريحات وموضوعات و"توك شو" ليس إلا صورة وهمية ما بعد افتراضية لا علاقة لها بما يجرى فى سوريا التى تحولت بدورها إلى دولة تقع فى تلك المساحة الرمادية الملتبسة بين الافتراضى وما بعد الافتراضى.

    من الواضح أن روسيا عقدت صفقات لا حصر لها لكى تؤكد نجاحها فى الغوطة الشرقية، بصرف النظر عن رضاء إيران ونظام دمشق، وبصرف النظر أيضا عن رضاء الولايات المتحدة وإسرائيل وبقية الدول الى تدخل ضمن التحالف الدولى بقيادة واشنطن.

    إن موسكو تجهِّز حاليا لجولة "سياسية" من أجل تسييل أرباحها ومكاسبها فى الغوطة. ويبدو أن ما يجرى فى تلك المنطقة يروق جدا للغرب، وليس من المستبعد أن تكون ردود الولايات المتحدة غير مباشرة. كلها مسألة وقت لا أكثر. أما موسكو فسوف تعلن قريبا عن "انتهاء العمليات العسكرية ضد الإرهاب فى سوريا"، و"ستكرر تأكيداها المعهودة بأن كل الظروف أصبحت مواتية للحل السياسى بموجب القرار 2254، ويجرى العمل على بلورة رؤى لنقل الأزمة السورية من المستوى العسكرى إلى السياسى، سواء فى أستانا أو فى سوتشى، أو حتى فى جنيف الى تراها موسكو غير قادرة على بلورة أى شيئ".

    وبطبيعة الحال، ستسير موسكو على مسارى "أستانا" فى كازاخستان و"الحوار الوطني" فى سوتشى بصرف النظر عن فشل هذين المسارين، ودخولهما فى لعبة أقرب إلى ألعاب تلاميذ المدارس الابتدائية، أو فى أحسن تقدير دخولهما إلى منطقة دسائس وتجبيهات ومؤامرات الأحزاب الكلاسيكية المعزولة التى عفا عليها الزمن.

    التخمينات والتكهنات والتوقعات كثيرة، ولكن الأقرب إلى العقل والمنطق، وطريقة تسويق روسيا للأحداث السورية، هو أن موسكو ستبدأ تدريجيا بتغيير نهج سياستها فى سوريا بعد إغلاق ملف الغوطة، هذا إذا كان هذا الملف سيم إغلاقه أساسا، لأن الأمور محزنة ومثيرة للغضب، وربما للانتقام. وسوف تظهر الأيام المقبلة مدى الانهيار والانتقام المقبلين.

    ربما تبدأ روسيا قريبا بممارسة ضغوط جدية على نظام الأسد للانخراط فى عملية تشكيل ما يسمى بـ "اللجنة الدستورية" تحت رعاية الأمم المتحدة. وبطبيعة الحال ستترك له هامشا معقولا للمناورة ولتحقيق مكاسب تبدو مفيدة للنظام ولبقائه واستمراريته، ولكنها فى حقيقة الأمن تشكل ضمانات للوجود الروسى بشكل شرعي، كما تحب موسكو أن تؤكد دوما. وفى حقيقة الأمر، فإن موسكو متخوِّفة من احتمال دخول الإيرانيين ونظام الأسد فى تصعيد فى جنوب سوريا. وهذا الأمر يشكل أهمية قصوى لموسكو التى يمكن أن تصطدم بتل أبيب، وربما بالأمريكيين. وهذا سيثير انزعاج الأردن الذى يشارك فى تهدئة الأمور فى تلك المنطقة. وقد نجد لبنان، فجأة، فى وسط كل تلك الأحداث.

    إن الأحداث الحقيقية فى سوريا عموما، وفى الغوطة تحديدا، تشير إلى أن الغرب غير قلق من تحقيق انتصارات روسية. وتؤكد فى الوقت نفسه على أن هذا الغرب يتخذ إجراءات أكثر اتساعا يمكن أن نرى بشائرها خلال شهرى أبريل ومايو، بينما تركيا تستفيد من جميع التناقضات، ومن نجاح وفشل كل الأطراف. هكذا تكوَّن واقع خطير يتم التكريس من خلاله على إفادة الطرف التركي. ولكن إلى متى ستترك روسيا هذا الطرف يواصل انتصاراته ويستفيد من كل شيئ؟! وإلى متى سيظل الغرب متجاهلا ما يجرى فى سوريا أو متهاونا معه؟! وإلى أى مدى ستظل موسكو تعوِّل على التناقضات بين أنقرة والغرب؟! وهل يمكن حل الناقضات التركية – الغربية؟!

    تساؤلا كثيرة وكبيرة تدور حاليا حول السبل التى ستستخدمها روسيا لتسييل "انتصاراتها"، وعن المواقف المقبلة لكل من إيران ونظام الأسد، وهل فعلا ستتنجح روسيا فى إقناع طهران ودمشق بانتهاج مواقف تساعد موسكو على تسييل مكاسبها وأرباحها، أم سنرى قريبا مفاجآت من جانب إيران والأسد، وربما إسرائيل؟

    أشرف الصباغ
    إقرأ أيضاً
    فى حب الرئيس ترامب 2018-10-09 13:30:51 جائزة نوبل للتحرش 2018-10-02 12:47:53 «إس – 300» الحائرة فى سوريا 2018-09-25 19:42:09 مصير بوتين وأردوغان فى إدلب 2018-09-18 10:51:34 فك الارتباط بين الأغا والقيصر 2018-09-11 13:31:37 انتصارات الرئيس بشار الأسد 2018-09-04 14:16:22 سوريا.. الاحتمالات مفتوحة ما عدا الحرب 2018-08-28 14:02:19 كاتبنا نجيب محفوظ الذى..! 2018-08-21 16:59:59 روسيا وضرورة تغيير أمريكا 2018-08-14 15:13:45 جوزيه ساراماجو فى نقد الفصام 2018-08-07 13:51:52 البشرية من الفناء إلى التحول 2018-08-01 09:04:02 أسقف إسرائيل العالية 2018-07-24 18:00:12 الخطأ الوجودى لترامب 2018-07-18 09:06:44 السيد الروسى فى جنوب سوريا 2018-07-10 14:01:18 الموقف المصرى فى سوريا وتنوع العلاقات 2018-07-03 16:10:34 قمة بوتين وترامب بين الوهم والخيال 2018-06-27 18:32:48 البطيختان الإيرانية والتركية 2018-06-19 15:16:30 القمة الأمريكية - الكورية الشمالية بحد ذاتها!  2018-06-12 18:15:16 مخاوف إيران من روسيا فى سوريا   2018-06-05 14:44:32 إرادة الجند فى رحاب العاشر من رمضان 2018-05-29 14:02:30 إيران وروسيا ولغة المصالح بعد شروط الولايات المتحدة 2018-05-22 09:54:20 أوهام روسيا حول موقف أوروبا من الاتفاق النووى الإيرانى 2018-05-15 13:12:51 محفوظ بين دوستويفسكى وجوجول 2018-05-08 12:30:50 نجيب محفوظ ومحمد صلاح 2018-05-01 16:02:43
    للأعلى