وجهة نظر

سكريبال ونوفيتشوك وبوتين

2018-03-20 09:27:04 |
  • د.أشرف الصباغ
  • أدت التناقضات فى تصريحات المسؤولين الروس ووسائل إعلامهم فى قضية تسميم عميل الاستخبارات العسكرية الروسية السابق سيرجى سكريبال فى بريطانيا إلى خلط أوراق غير مسبوق.

    لقد قامت وسائل الإعلام الحكومية الروسية بعمل تحقيقات واسعة عن غاز "نوفيتشوك" اعترفت فيها بأن هذا الغاز كان موجودًا فى الاتحاد السوفيتى وفى روسيا أيضًا، ولكن تم التخلص منه تحت إشراف منظمة حظر الأسلحة الكيماوية.

    وأدلى مسؤولون روس بإفادات تدعم هذه الرؤية، ولكن بريطانيا والدول الحليفة لها تلقت هذه المعلومات لتسير قدما نحو حشد دولى غير مسبوق ضد روسيا، وعندما ضاقت الحلقة كثيرًا، أعلن وزير الخارجية الروسى سيرجى لافروف أن هذا الغاز لم يكن موجودًا فى يوم من الأيام لا فى الاتحاد السوفيتى ولا فى روسيا.

    من الواضح أن الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وبعض الدول الأخرى لا تلقى بالًا إلى التصريحات الروسية فى هذا الموضوع، وتسير قدما نحو حشد دولى، تمهيدًا لاتخاذ إجراءات قاسية لتحديد وضع روسيا خلال السنوات الست المقبلة على أقل تقدير.

    ومن الطبيعى أن تتزامن هذه الإجراءات مع إجراءات أخرى، تتمثل فى العقوبات المتوالية التى يجرى توسيعها وتمديدها بسبب أوكرانيا، وفى نهاية المطاف جرى توافق خطير بين الأوروبيين والأمريكيين على اتهام روسيا، وأصدر مجلس الاتحاد الأوروبى بيانا قاسيا فى هذا الصدد، الأمر الذى أغضب موسكو كثيرًا ودفعها للإدلاء بتصريحات تغلب عليها البلاغة والمنطق والإسهاب الذى يميز موضوعات التعبير متوسطة الجودة.

    فى المقابل، فاز الرئيس الروسى فلاديمير بوتين فى الانتخابات الرئاسية ليظل سيدًا للكرملين لفترة رابعة من حيث العدد، ولفترة ثانية على التوالى.

    وجاء فوز بوتين بنسبة قياسية غير مسبوقة ليؤكد فشل الغرب، على الأقل إلى الآن، فى التأثير على الأوضاع الداخلية والرأى العام فى روسيا، ولكن هذا لا يعنى أن الغرب سيتوقف عن حصار روسيا والضغط عليها، مثل ما كان يفعل مع الاتحاد السوفيتى، وإن اختلفت الأسباب.

    ففى السابق كان الصراع أيديولوجيًا، جيوسياسيًا، جيواقتصاديًا، والآن يسقط العامل الأيديولوجى ليبقى الصراع محصورًا فى منظومة رأسمالية عابرة للحدود والقارات، تسعى للسيطرة ليس فقط على أسواق جديدة، بل وعلى مناطق جديدة من أجل تصريف التراكمات المالية والتحكم فى مصادر النفط والغاز وطرق نقلهما.

    الغرب يعوِّل على توريط روسيا فى سباق تسلح من جهة، وفى مستنقعات عسكرية خارجية من جهة أخرى، وقد نجح عمليا إلى الآن، ولكن الرئيس الروسى فلاديمير بوتين أعلن فى أول ساعات فترته الرئاسية الأخيرة، حسب الدستور الروسى، أن روسيا ستخفض إنفاقها العسكرى لعام 2018، ولن تنخرط فى سباق تسلح جديد، وفى الوقت نفسه شدد على أن موسكو ستكرس اهتمامًا خاصًا للمؤسسة العسكرية وتطويرها من أجل الحفاظ على روسيا قوية، هذا التصريح لا يحمل أى جديد على الإطلاق، فقد سبق وسمعنا مثل هذه التصريحات من جميع المسؤولين الروس.

    الرئيس الروسى بوتين أعلن أيضًا أن الهدف الرئيسى للحكومة الروسية حاليًا، هو ضمان رفاهية الناس، مشيرًا إلى ضرورة خفض عدد المواطنين المتواجدين تحت خط الفقر، ومعالجة المشاكل الداخلية للبلاد، وفى المقام الأول ضمان النمو الاقتصادى، وإعطاء الاقتصاد طابعا ابتكاريا، وحل القضايا المتعلقة بتطوير الصحة والتعليم والعلوم والبنية التحتية، وضمان زيادة رفاهية الشعب.

    وهذه التصريحات أيضا وردت كثيرًا فى السنوات الماضية، ما يعنى أن تصريحات بوتين بعد فوزه مباشرة موجهة إلى الخارج وليس إلى الداخل، بينما تسير الأمور كما هى عليه من حيث التسليح، ومن حيث تواجد قوات روسية خارج أراضى البلاد، ومن حيث المشاكل الاقتصادية وتحديات التنمية فى ظل الحصار والعقوبات الغربية، ومن حيث الفساد وترهل أجهزة الدولة.

    وفى الحقيقة، فليس من المستبعد أن يقوم بوتين بإجراء تغييرات جذرية فى أجهزة الدولة ومؤسساتها على مستوى الكوادر والمناهج، وهو الأمر الذى ينتظره الكثيرون فى روسيا، وقد توجه الملايين إلى صناديق الاقتراع على أمل أن يقوم بوتين بهذه الخطوة المهمة، والتى على أساسها يمكن أن تظهر الشخصية التى ستتولى رئاسة روسيا بعد عام 2024.

    وربما تكون إحدى أولويات بوتين خلال العامين الأخيرين من فتره الرئاسية هذه، هى العمل على فرز هذه الشخصية ضمن فريق عمل عصرى وحديث وقادر على مواجهة التحديات التى باتت تثقل كاهل البلاد، وعلى رأسها الفساد، ومواجهة أو إدارة العقوبات الدولية ضد روسيا، وسباق التسلح، وخصوصًا بعد استعراض بوتين قوائم الأسلحة الروسية أمام الجمعية الفيدرالية، وتورط القوات الروسية فى سوريا، وتفاقم الأزمة الأوكرانية، والعلاقات المعقدة بين روسيا ودول شرق أوروبا، والمواجهات الباردة مع حلف الناتو فى البلطيق والبلقان وأوروبا الشرقية، إضافة إلى التداعيات والعواقب المترتبة على قضية تسميم العميل الروسى فى بريطانيا.

    أشرف الصباغ
    إقرأ أيضاً
    روسيا وضرورة تغيير أمريكا 2018-08-14 15:13:45 جوزيه ساراماجو فى نقد الفصام 2018-08-07 13:51:52 البشرية من الفناء إلى التحول 2018-08-01 09:04:02 أسقف إسرائيل العالية 2018-07-24 18:00:12 الخطأ الوجودى لترامب 2018-07-18 09:06:44 السيد الروسى فى جنوب سوريا 2018-07-10 14:01:18 الموقف المصرى فى سوريا وتنوع العلاقات 2018-07-03 16:10:34 قمة بوتين وترامب بين الوهم والخيال 2018-06-27 18:32:48 البطيختان الإيرانية والتركية 2018-06-19 15:16:30 القمة الأمريكية - الكورية الشمالية بحد ذاتها!  2018-06-12 18:15:16 مخاوف إيران من روسيا فى سوريا   2018-06-05 14:44:32 إرادة الجند فى رحاب العاشر من رمضان 2018-05-29 14:02:30 إيران وروسيا ولغة المصالح بعد شروط الولايات المتحدة 2018-05-22 09:54:20 أوهام روسيا حول موقف أوروبا من الاتفاق النووى الإيرانى 2018-05-15 13:12:51 محفوظ بين دوستويفسكى وجوجول 2018-05-08 12:30:50 نجيب محفوظ ومحمد صلاح 2018-05-01 16:02:43 ماذا يمنع روسيا من تسليم «إس 300» لبشار الأسد! 2018-04-24 10:07:11 بوتين والمواجهة مع أمريكا 2018-04-17 13:33:58 الحرب السورية 2018-04-10 11:42:45 حصار الغرب لروسيا وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها 2018-04-03 12:48:49 سوريا ما بعد الافتراضية 2018-03-27 14:40:58 مصير كأس العالم أمام اختبار مواجهات روسية أمريكية! 2018-03-13 11:23:34 ماذا ستفعل روسيا إذا ضربت أمريكا الأسد! 2018-03-06 16:27:24 مفاجآت روسيا ومعجزاتها فى سوريا 2018-02-27 10:45:56
    للأعلى