وجهة نظر

مصر والسودان.. لنقتسم خبزنا معًا

2018-03-14 12:35:16 |
  • محمود بسيونى
  • تصنع السياسة فى أوقات كثيرة الخلاف بين الأشقاء، تضع الموانع والعقبات، تدمر التعايش والتاريخ المشترك، ويختفى الحب تحت تأثير المصالح الضيقة، تغتاله فى الكواليس..

    يحكم شيطان الخلاف ما بين السطور ليكتب فصولاً حزينة فى تاريخ علاقة أبدية تجمع شعبين لم يفترقا منذ فجر التاريخ.. مصر والسودان.

    ما يربطنا بالسودان أكبر وأعمق من خلاف يتصاعد أو مؤامرة تُحاك فى الظلام، سحابة الصيف كان يجب ألا تطول بين الأشقاء، لكن قاتل الله دولة "الصغار" ولعبها بالنار، جندوا جزيرتهم ولجانهم، استغلوا الهوس الناتج عن الجهل بالآخر، قفزوا فى لحظة ضعف، ليضعوا الألغام فى طريق التعاون والتكامل وحسن الجوار، استغلوا تغلغل إخوان الشيطان وتدثرهم الكاذب بالإسلام ليتغلغلوا وينفثون سمومهم فى كل مكان، ليقاتل الشقيق شقيقه، ويختلف الإخوة، وتشتعل النيران فى العلاقات الأزلية.

    يُحسب للرئيس عبدالفتاح السيسى، تحركه العقلانى لإطفاء النيران، يلتقى الأشقاء فى منتصف الطريق، ليضع خارطة طريق جديدة للعلاقات المصرية السودانية والإثيوبية، حفاظًا على تاريخ وحاضر ومستقبل شعوب لا يمكنها العيش وحدها، وضع الرئيس أساس واقع جديد من التعاون، يغلق به الطريق على من يريدون تحويل مجرى النهر الخالد من ساحة تكامل وبناء، إلى ساحة صراع بلا منتصر.

    تحتفظ مصر بعلاقات متوازنة مع الجميع شمال وجنوب السودان، قررت التعالى على كل المنغصات وتصحيح المفاهيم المغلوطة، تفتح الطريق أمام المجتمعات للتعارف بالثقافة والفن، أن يكون للمجتمع المدنى دور فى تقريب الشعوب، ودعت الإعلام إلى الالتزام فيما يعرض من معلومات عن البلدين، القيادة المصرية تعلم جيدًا أن 90% من الأزمة صنعها الإعلام، والتناول المغرض فى كثير من الأحيان لما يدور فى البلدين، حان الوقت لإغلاق الطريق أمام المتربصين ومحترفى الصيد فى الماء العكر.

    انتهت أعمال اللجنة الرباعية التى تضم رؤساء المخابرات ووزراء الخارجية بزيارة اللواء عباس كامل، رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية، للسودان، ولقاء الرئيس السودانى عمر البشير، وتُوجت بإغلاق ألسنة اللهب المنطلقة على مصر والسودان وإثيوبيا، والعودة إلى مائدة الحوار، بدعوة السودان مصر وإثيوبيا لاجتماع بشأن سد النهضة فى الرابع من أبريل المقبل على أرضية تنفيذ اتفاق إعلان المبادئ الذى وقعته الدول الثلاث عام 2015، مع التأكيد على التزام السودان باتفاقية مياه النيل الموقعة مع مصر عام 1959، والإعداد لعقد قمة مشتركة برئاسة السيسى والبشير خلال العام الجارى فى الخرطوم.

    نجحت الإدارة الهادئة للأزمة فى تحويل التراشق إلى حوار لتعزيز التعاون الإقليمى وإنشاء صندوق ثلاثى للمشاريع التنموية، وتحسين البنية التحتية، مصر تريد الخير لأشقائها، ولن تقف أمام رغبتهم فى التنمية، بل وضعت إمكانياتها الكبيرة فى مجال الطاقة على المائدة، ودعت إلى التعاون فى مجالات الطاقة والربط الكهربائى والنقل البرى والجوى والبحرى، فضلاً عن زيادة التعاون العسكرى والأمنى بين البلدين.

    فتحت مصر ذراعيها للأشقاء، طرحت التعاون فى كل المجالات، ولا أبالغ لو قلت لاقتسام رغيف الخبز الواحد مع الشقيق السودانى، كما كنا فى الماضى وسنكون فى المستقبل.

    قد لا يعلم الكثيرون أنه بخلاف الدم الواحد والروابط الإنسانية والعائلية، هناك حالة حب خاصة ربطت المصريين بالسودان، وربطت السودانيين بمصر، عبّر عنها شاعر الرومانسية الصوفية وابن مدينة أم درمان، التجانى يوسف بشير الذى قال عن مصر:

    إنما مصرُ والشقيق الأخ السودان كانا لخافق النيل صدرا
    حفظا عهده القديم وشادا منه صيتاً ورفَّعا منه ذكرا
    فسلوا النيل عن كرائم أوسعنا دراريَّها احتفاظًا وقدرا
    كيف يا قومنا نباعد من فكرين شدا وساندا البعض أزرا
    كيف قولوا بجانب النيل شطاهُ ويجرى على شواطئ أخرى
    كلما أنكروا ثقافة مصرٍ كنت من صنعها يراعًا وفكرا
    نضّر الله وجهها فهى ما تزداد إلا بعدًا على وعسرا

    يا ابن مصر وعندنا لك ما نأمل تبليغه من الخير مصرا
    قل لها فى صراحة الحق والحق بأنْ يُؤثرَ الصراحةَ أحرى
    وثقى من علائق الأدب الباقى ولا تحفلى بأشياء أخرى
    كل ما فى الورى عدا العلم لا يُكبِّر شعبا ولا يُمجّد قُطرا

    ****

    لن تجد أروع من هذه الكلمات عن مصر من سودانى لتذكرنا جميعًا بمصيرنا المشترك، الذى هو أعلى وأسمى من كل الخلافات أو المهاترات التى يمكن أن تتفجر بين الأشقاء.

    محمود بسيوني الكاتب محمود بسيوني مدير تحرير مبتدا مصر والسودان.. لنقتسم خبزنا معا مصر والسودان
    إقرأ أيضاً
    على خط النار 2018-07-12 11:11:06 مفاجآت الحكومة الجديدة 2018-06-14 16:34:36 طريق الآلام بدأ من الدوحة 2018-06-07 17:20:14 رصاص بلا دوى 2018-05-31 12:33:56 فى انتظار معارضة متطورة 2018-05-21 16:11:10 الشيطان يسكن أكاديميات تنمية المهارات 2018-05-09 16:58:59 فى حضرة شيخ المشيخة 2018-05-03 17:04:03 ماذا لو صمت الجيوشى؟ 2018-04-23 14:31:32 تذكرة إلى جهنم 2018-04-18 17:44:13 روايات «علاء برايز» 2018-04-12 12:08:16 قراءة فى خطاب النصر 2018-04-03 12:56:33 عودة الاحتلال العثمانى 2018-03-21 19:00:47 «بوصلة» الرئيس والأمير 2018-03-08 11:04:36 «استربتيز» ليليان داوود ورامى عصام  2018-03-01 17:32:09 سلاح التريليون دولار 2018-02-21 16:52:40 «بوتكس» أيمن نور 2018-02-14 13:38:47 إكرام «النخبة».. دفنها 2018-02-06 21:19:55 رئيس فى مهمة انتحارية 2018-01-31 17:50:14 لن نترك ثأركم 2018-01-24 16:09:13 حكاية إنقاذ وطن 2018-01-18 17:43:26 شكرا لتسريبات النيويورك تايمز   2018-01-08 18:37:19 الأيام الأخيرة لولاية الفقيه 2018-01-03 17:10:26 مصر 2018.. موعد مع الصعود 2017-12-28 13:12:21 هذا هو تاريخ أجدادك الأسود يا أردوغان 2017-12-21 17:22:29
    للأعلى