وجهة نظر

«بوصلة» الرئيس والأمير

2018-03-08 11:04:36 |
  • محمود بسيونى
  • يعطى اختيار الأمير محمد بن سلمان، ولى عهد السعودية، مصر كأول زيارة خارجية دلالات وأبعادًا كثيرة تشير إلى عمق العلاقة المصرية السعودية، وتنبئ بتطور مستقبلى أكثر أهمية للدور المصرى السعودى فى التعامل مع منطقة مشتعلة بالأزمات.

    حتى إن البيان الختامى الذى أعقب الزيارة كشف عن تطابق فى وجهات النظر حول عديدٍ من الملفات الساخنة، وعلى رأسها الإرهاب، والقضية الفلسطينية، والتصدى إلى محور الشر الإيرانى التركى القطرى.

    أعطى الأمير إشارات عديدة إلى منهج تحركه المستقبلى الذى يتلاقى مع مصر فى عدة محطات أهمها أن مكافحة الإرهاب تبدأ بتحرير العقل العربى واستعادة زخم عقود التنوير التى ضعفت تحت تأثير جماعات المتأسلمين، والتخلص من ميراث 1979، ذلك العام الذى شهد الثورة الإيرانية واعتماد المخابرات الأمريكية على جماعة الإخوان الإرهابية لإيقاف التقدم السوفيتى فى أفغانستان عبر تصدير المقاتلين من الشباب تحت لافتات "إنقاذ أرض الإسلام من الكفار الروس"، وما أعقبه من صراع شرس بين الدولة المصرية، والجماعات الإرهابية العائدة من أفغانستان.

    تعطلت عجلة "التنوير" تحت ضغط التمويل الرهيب الذى حصلت عليه تلك الجماعات من دول الخليج بقيادة السعودية، واخترقت طبقات المجتمعات العربية بمفاهيم مغلوطة عن الدين الإسلامى تحتقر المرأة، وتعادى المسيحيين، وتنادى بسقوط الدولة لإقامة الخلافة، أو للأدق استعادة الخلافة العثمانية مجددًا، وهو ما يصب مباشرة فى مصلحة تركيا وطموح استعادة الخلافة عبر الإخوان أو "العثمانيين الجدد" المنتشرين فى الدول العربية.

    وكانت كلمة السر هى "الربيع العربى"، وسقوط الأنظمة التقليدية. وحظى المشروع بدعم قطرى ورضا أمريكى إلى أن اصطدم مشروع استعادة الخلافة العثمانية المدعوم إيرانًيا بالشعب المصرى الذى خرج فى 30 يونيو لإسقاط حكم الجماعة الإرهابية. ودعمت الإمارات والسعودية إرادة المصريين وكان الملك عبدالله، رحمه الله، أقوى داعم لحرية الشعب المصرى، وقرر اعتبار الإخوان جماعة إرهابية فى السعودية لتبدأ المواجهة الكبرى مع أخطر تنظيم فى العالم.

    البداية كانت فى مصر، وقرار الرئيس عبدالفتاح السيسى المواجهة الشاملة مع الفكر الإرهابى، ودوران عجلة "التنوير"، باستعادة القوة الناعمة المصرية، والاهتمام بالفن والثقافة، وفتح المجال العام أمام المرأة للتواجد سياسيًا، وتقلد المناصب العليا، ومواجهة فتاوى التطرف والإرهاب، والدعوة إلى الثورة على الأفكار الرجعية التى رسَّختها الجماعات المتأسلمة فى عقول الملايين، وكان ذلك هو السبب الرئيس فى الحملة الشعواء ومحاولات التشويه التى لم تتوقف دقيقة واحدة ضد الرئيس السيسى منذ بيان 3 يوليو، وحتى كتابه هذه السطور.

    بين الرئيس والأمير نقاط اتفاق كثيرة تنطلق من وحدة البوصلة.. خطورة المعركة التى خاضها الرئيس السيسى مع قوى الظلام لم ترهب الأمير الشاب، وقرر دخول الحرب فى نفس توقيت إجراء عمليات الإصلاح الاقتصادى والاجتماعى فى المملكة مثلما فعلت مصر، وفاجأ الأمير الشاب العالم بالسماح للمرأة السعودية بحقوق غير مسبوقة، وتصدى بصرامة وشجاعة مبهرة لكل عناصر "العثمانيين الجدد" فى المملكة، بعدما حاولوا التصدى لتحركات الأمير وتحريض العامة ضد إصلاحاته.

    اتفق الرئيس والأمير فى ضرورة الاعتماد على الشباب، المحرك القادر على مساندة مشروعات النهضة الفكرية والاجتماعية، وقطع الطريق أمام استغلال طاقاته فى المشروعات الإرهابية، والتوجه إلى المشروعات العملاقة التى تصاحبها تغييرات اجتماعية واقتصادية مثل مشروع "نيوم "السياحى والاقتصادى" ، والذى يعتمد على إنشاء نمط جديد للحياة والاستمتاع بها، واستثمار جمال الطبيعة فى منطقة البحر الأحمر، لتكون قبله العالم السياحية، ووقف تدفق الأموال خارج المملكة على السياحة الخليجية للمقاصد السياحية الأخرى.

    ثم جاءت الإشارة الملهمة بزيارة ولى العهد السعودى التاريخية إلى الكاتدرائية المرقسية ودعوة البابا تواضروس لزيارة المملكة، فى إشارة إلى اعتزاز السعودية بالمكون المسيحى العربى، ثم زيارة الأوبرا المصرية بصحبة الرئيس السيسى لمشاهدة مسرحية "سلِّم نفسك"، ليعطى إشارة ثانية لاهتمام المملكة بالتمثيل والمسرح.

    وفى حواره مع الإعلام المصرى تحدث بن سلمان عن الشيعة السعوديين وأنهم جزء من نهضة السعودية، ليغلق الطريق على من يتلاعب بورقة الشيعة ضد المملكة. كما تحدث بوعى عن الأزمة القطرية لافتًا إلى أن العُقَد النفسية التى يعانى منها حكام قطر هى السبب فى شذوذهم السياسى.

    وأعلن الأمير عن دعمه الكامل للمواجهات التى تخوضها القوات المصرية ضد الجماعات الإرهابية فى سيناء، واتفاق مصر والسعودية على أن حل القضية الفلسطينية بإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف.

    مصر والسعودية تقودان النهضة والتنوير فى العالم العربى، وتقدمان نموذجًا للاعتدال والتعايش الدينى، وهو ما كان ينقص العالم العربى لسنوات طويلة.. تخوضان حربًا شرسة دون أى دعم دولى، بل على العكس تتعرضان إلى حملات تشويه لا تتوقف سواء من محور الشر التركى القطرى الإيرانى أو دول غربية تدَّعى محاربة الإرهاب، بينما توفر الغطاء والدعم الإعلامى لجماعات الإرهاب والتطرف.

    لكنهما تجاهلتا كل ذلك، وقررتا العمل معًا لاستكمال مشوار التنمية والتنوير من أجل مستقبل أفضل لمصر والمملكة والشرق الأوسط.

    محمود بسيونى
    للأعلى