وجهة نظر

لكل شىء جانب آخر

2018-03-08 09:52:32 |
  • إيرينى ثابت
  • ذهبت بدعوة كريمة من ابنتى لنشاهد سويًا فيلم "الجانب الآخر لكل شيء"، فى إطار مهرجان القاهرة الدولى لسينما المرأة، وقد جذبنى اسم الفيلم لأنه بدا لى اسمًا لفيلم درامى.

    صحيح أنه فيلم تسجيلى عن نضال أستاذة جامعية صربية من أجل الحرية، وصانعة الفيلم هى ابنة هذه المناضلة، لكن تيمة الفيلم هى التى أخذتنى جدًا، وهى دعوة للتفكير العميق فى الأشياء كلها، وفى الأحداث والأشخاص والأماكن والأزمنة.. إذ أن لكل منها وجه آخر مختلف بل قد يكون النقيض للشكل الخارجى للأشياء أو الأشخاص أو الأحداث.

    فى أحد المشاهد الهامة صوّر الفيلم ثورة 5 أكتوبر 2000، والتى أطاحت بسلوبودان ميلوسيفيتش الرئيس الصربى آنذاك، مستعرضًا لقطات من لقاءات القنوات الصربية بأفراد من الشعب وسؤالهم عن شعورهم بعد نجاح الثورة، فكانت إجاباتهم: "سعداء لأننا نجحنا.. لقد أطحنا بالطاغية.. أسقطنا النظام".. إلى آخر ذلك من التعليقات التى توضح سعادة الشعب بالثورة ونجاحها.

    أما تعليق الأستاذة الدكتورة التى دائمًا ترى الوجه الآخر لكل شيء فكان مختلفًا.. إذ أنها بالرغم من مشاركتها الفعالة فى الثورة واعتلائها المنصة فى الميدان وخطبتها الحماسية فى الجماهير التى لا تعد ولا تحصى، قالت: "نعم كان الناس سعداء، ولكن أحدًا لم يفكر: وماذا بعد الثورة؟ وماذا بعد قلب النظام؟ وماذا بعد الاطاحة بالرئيس وحكومته؟ ماذا سيكون شكل الغد؟".

    على المستوى الشخصى الذى لا ينفصل عن السياسة، كانت الأستاذة من عائلة أرستقراطية، لهم بيت راقى فى منطقة متميزة أمام السفارات فى بلجراد، ولما قامت الثورة الشيوعية استولت السلطات وقتئذ على حجرتين من شقة الأسرة.. أغلقوا الأبواب المؤدية لهما، ولأنهما يمكن الوصول إليهما من باب خارجى للشقة، صارت الشقة منقسمة نصفين: جانب تعيش فيه أسرة الأستاذة، وعلى الجانب الآخر أسرة من البروليتاريا المعدمين الذين شاركوا فى الثورة الشيوعية.. فى آخر الفيلم، جاء حدث موت السيدة ذات الـ92 عامًا التى ورثت النصف شقة من أمها البروليتارية الفقيرة.. وأسرعت الأستاذة باستئناف قضيتها فى المحاكم لتستعيد إرث والديها المنهوب، ونجحت، وفى آخر مشاهد الفيلم فتحت الأستاذة وأسرتها الباب المؤدى لـ"الجانب الآخر" من البيت.

    كان مشهدًا كاشفًا.. اكتملت به تيمة الفيلم، وهدفه: "أن علينا اكتشاف الجانب الآخر المختفى المغلق سياسيًا واجتماعيًا وشخصيًا".. فى الفيلم كان لكل الثورات والحروب فى صربيا جانب آخر، على الصرب اكتشافه تبعًا لرأى الأستاذة غير السطحية، التى لا تأخذ الأمور إلا بعمق.. وعلى المستوى الاجتماعى، كانت الأستاذة تدعو الأصدقاء الذين يختلفون سياسيًا بشكل يجعلهم يصرخون فى وجه بعضهم البعض، بل وقاطع أحدهم صديقه تمامًا بسبب هذا الخلاف السياسى بينهما.. كانت الأستاذة تدعوهم لتناول الطعام والسهر والمناقشات فى بيتها.. لترى هى الجانب الآخر.. ربما لترى أن الأساتذة الأكاديميين العظام يتعصبون لآرائهم ويغضبون لاختلاف الرأى مثلهم مثل رجل الشارع.. الجانب الآخر منهم هو: "مجرد إنسان".

    أما على المستوى الشخصى فقد واصلت الأستاذة نضالها فى اكتشاف الجانب الآخر من بيت أسرتها.. من التاريخ.. من الجغرافيا.. كانت تدرس خريطة تصميم المنزل وتعرف شكل الجانب الآخر المغلق منه لصالح آخرين.. ثم فتحت الباب، ودخلت إلى الجانب الآخر، ورأت أن تعيد تنظيفه وتعتنى به لتستعيده لنفسها وتورثه لابنتيها أفقًا جديدًا رحبًا عميقًا.

    الابنة صانعة الفيلم، والتى فاز فيلمها هذا فى مهرجان "ايدفا" الدولى كأحسن فيلم، كانت تصور مشاهد كثيرة من شرفة المنزل.. الثورة والجماهير الزاحفة وحرق السفارات وغلق الشوارع.. أما وقد استعادت أمها الحجرات الأخرى والتى تطل شرفاتها على جانب آخر من المدينة، ربما يكون هذا دافعًا لأن تقوم الابنة بتصوير فيلم جديد ومشاهد جديدة بوجهة نظر جديدة من الجانب الآخر.

    إنها دعوة لكل من يحب التفكير والتأمل والتعمق، أولاً لمشاهدة الفيلم حتى ما يرى الجانب الآخر من العالم بثوراته وحياة أهله وأفكارهم، وثانيًا ليدرس الجانب الآخر من حياة وطنه، ومجتمعه، ونفسه، وأحبابه.

    كان لاسم الفيلم جانب آخر: فهو تسجيلى وليس درامى، وكان لدعوة ابنتى جانبًا آخر: فالتذاكر لأفلام المهرجان مجانية.

    إيرينى ثابت
    للأعلى