وجهة نظر

صليل الصوارم «النسخة الشعبية»

2018-03-06 15:03:43 |
  • محمد فياض
  • دكتور محمد فياض

    "صليل الصوارم نشيد الإباة، ودرب القتال طريق الحياة، فبين اقتحام يبيد الطغاة، وكاتم صوت جميل صداه".. قرر الدواعش أن يستخدموا هذه الكلمات العنيفة كوسيلة لنشر الرعب والخوف فى النفوس.

    استخدموها كخلفية لكل عمليات القتل والذبح والتدمير والتفجير، متشبهين بالتتار الذين استخدموا مثل هذه الوسائل المعنوية لنشر الفزع والخوف، فارتدوا قرون وجلود الحيوانات، فضلاً عن رسائلهم المفزعة التى كانوا يرسلونها إلى البلدان والتى كانت تسبب الهلع والفزع فى شتى أنحاء العالم الإسلامى.

    أما فى مصر، فالأمر مختلف دائمًا، فلم يكن يدور أبدًا فى خلد الدواعش أن يقوم المصريون بما قاموا به، فالعقلية الشعبية المصرية راقتها الأغنية قائلين بلسان حال عبلة كامل: "والنبى حلوة الغنوة"، وبلمسات بسيطة على اللحن والتوزيع أصبحت من أهم الأغانى الشعبية الراقصة، والتى تستخدم بشكل دائم فى كافة الأفراح الشعبية، فضلاً عن حضورها الدائم فى كل التكاتك التى تسير فى شوارع مصر، بالإضافة إلى ما قام به البعض من استخدام أقفاص الإعدام الداعشية فى أفراحهم الشعبية كأعلى درجات الاستخفاف والسخرية من هؤلاء الدواعش مغلفين ذلك بمئات النكات التى طالت هذا التطرف الداعشى.

    وفى الحقيقة فإن الشخصية المصرية مارست هذه السخرية اللاذعة على مدار تاريخها، ومن الممكن أن ننتقى بعض النماذج التى تدلل لنا على هذا الطرح، وعلى سبيل المثال يبرز النموذج الأول لدينا عند دخول الفاطميين مصر فمن الروايات الطريفة ذات السياق الشعبى التى تروى أن المعز لدين الله الفاطمى عندما جاء بموكبه يمتطى جواده ويضع فوق رأسه الحلة السلطانية بذهبها وجوهرها ومرشوق فيها ريشة الحاكم السلطانية، والتى يحركها الهواء فى خيلاء، وبمجرد أن تمخطر بجواده بين صفوف قواته إذ بـ"جالوس طين" ضخم يلقى من فوق البوابة على رأسه، فيصيب المعز ويتحول إلى أضحوكة، فهاج الموكب واندفعت القوات بين الجموع التى أخذت فى الاضطراب، ويروى أن السلطة الجديدة مارست ردود أفعال عنيفة على هذا التصرف.

    تكررت العديد من هذه الحوادث، ولكن بشكل أكثر مصرية وأشد معارضة، ففى العام 410هـ عندما زاد ضيق المصريين من الحاكم بأمر الله وضعوا فى طريقه ماكيت لامرأة عملوها من القراطيس وفى يدها جريدة وممسكة بورقة فيها سب للحاكم وأسلافه والدعاء عليه، ويبدو أن الحاكم بأمر الله قد غضب غضبًا شديدًا فأمر جنوده بأن يقوموا بتأديب سكان القاهرة لأجل ذلك، وبالفعل حدث التأديب وامتد الأمر لحرق بعض الدور، إلا أن مثل هذه التصرفات القمعية لم تكن لترهب الكيان الشعبى المصرى الذى ازدادت معارضته صلابة وسخرية كلما زاد لفظة للحاكم، ففى ثانى جمعة من الحادثة السابقة ألقى أحد العوام ورقة على المنبر مكتوب فيها الآتى...

    بالجور قد رضينا - لا بالكفر والحماقة

    يامدعى الغيوب - من كاتب البطاقة

    وهنا تجلت العقلية الشعبية المصرية الساخرة التى ضربت بكل المعتقدات الفاطمية عن الحاكم عرض الحائط بشكل يدل على إبداع المصرى وسخريته فى أعلى صورها.

    وفى نفس ذلك المنحى، تأتى شخصية الأراجوز.. فإذا ما حضرت عرضًا مسرحيًا للأراجوز فإنك قد تلاحظ كثرة ضرب الأراجوز بالقفا، وقد يبدو الأمر سطحيًا إلا أن تراثًا كبيرًا فى تاريخ المعارضة المصرية الساخرة يرتبط بهذا الأمر، فالشخصية الشعبية المصرية قد عارضت وزير صلاح الدين الأيوبى "قراقوش" كرهًا فى سياسته الاستبدادية فابتكروا شخصية القراقوز "الأراجوز" للتدليل على شخصية الوزير قراقوش للسخرية والتهكم والمعارضة اللاذعة مشبعين إياه ضربا على القفا، واستمر هذا الفعل التراثى الى الآن فى شكل يجسد حالة من إبداع الشخصية المصرية المعارضة.

    أما عن الماضى القريب فلا يستطيع أحد أن ينكر أن السخرية المصرية من محمد مرسى كانت إحدى الوسائل التى عجلت بنهايته، فمنذ اللحظة الأولى مارست العقلية الشعبية المصرية فعل السخرية من المعزول الذى كان مادة ملائمة جدا لهذه السخرية، ودعنا عزيزى القارئ نتذكر بعض هذه المحطات الساخرة بداية من قوله "كلم البيت يا محمد قولهم إنى حطلع فى التلفزيون دلوقت" ثم مشهد فتحه القميص فى ميدان التحرير، وركوبه سيارة الرئيس السادات فى ملعب القاهرة، بالإضافة إلى مصطلحاته الحصرية مثل "مؤخرة طائر النهضة والحارة المزنوقة والصوابع اللى بتلعب، وأنا عارف مين وليه وعشان ايه، ودونت ميكس، ومنحدر الصعود، والقرد والقرداتى، والتوكتوك وسيأتيك من حيث تترفع أنت على أن تتداخل معه"، ولم يفوت المصريين أيضًا لحظات ساخرة هامة مثل سلطانيته التى ارتداها أثناء حصوله على الدكتوراه الفخرية، وكرنفال حظر التجوال الذى حدث فى مدن القناة حتى تطور الأمر لما عرف بمونديال الحظر، فضلاً عن بعض تصرفاته الغريبة مثل ما حدث مع رئيسة وزراء الأرجنتين بالإضافة الى مئات المواقف التى لم يفوتها المصريين فاستغلوها ليشبعوا هذا الفاشل سخرية واستخفافًا فلم يشعر أحد طوال هذه السنة البائسة بأن هذا الساذج الجالس على عرش مصر رئيساً للجمهورية.

    هكذا كانت العقلية الشعبية المصرية الساخرة والتى كانت دائمًا بمثابة الصخرة التى تحطمت عليها رؤوس كل من خالف فطرة هذا الشعب الساخر حتى النخاع.

    د. محمد فياض
    إقرأ أيضاً
    المنبر المفخخ 2018-11-08 14:58:56 مشروع الرئيس الفكرى 2018-09-07 12:28:19 أنت مش أنت.. وأنت ياسر برهامى 2018-08-13 09:01:01 فضيحة أن تكون إخوانيًا 2018-07-27 09:31:13 المرأة فى فكر الجماعات الإسلامية المتشددة 2018-07-11 09:54:16 أبناء سامية شنن 2018-06-30 10:25:10 فى حفلة عمر خيرت لم يحضر أحد من الدواعش 2018-06-23 08:46:49 متحف الخراب 2018-06-13 14:51:03 بعض أدوات السيطرة العقلية على أبناء الجماعات المتشددة 2018-05-29 13:42:47 بروتوكولات حكماء إخوان 2018-05-11 12:02:59 عندما صار للمصريين ضهر 2018-04-03 09:51:51 أحلام أحفاد كسرى.. سيكولوجية السياسة الإيرانية 2018-03-12 08:23:48 نساء الغل الإخوانى 2018-02-24 09:13:20 مأساة التدين الشعبى 2018-02-17 18:19:37 الورد اللى فتّح فى جناين فيرمونت 2017-12-11 13:25:16 لماذا يشوه الإخوان جدران الوطن؟ 2017-12-04 11:17:28 بابا خدنى أصلّى معاك 2017-11-26 11:52:38 الشنطة فيها كتاب دين 2017-11-20 08:21:29 متحف الكائنات الإخوانية المنقرضة 2017-11-14 14:36:59 افتكاسات وتحليلات الكائن المثقف العميق 2017-11-06 08:14:44 القرضاوى.. العمامة المفخخة 2017-10-31 09:19:22
    للأعلى