وجهة نظر

مفاجآت روسيا ومعجزاتها فى سوريا

2018-02-27 10:45:56 |
  • د.أشرف الصباغ
  • تتوالى المفاجآت والمعجزات الروسية العسكرية فى سوريا بشكل يصعب على المتابعة والتحليل، ويضع الأمور فى زاوية ضيقة ليس لها إلا مَخْرَج واحد فقط.

    يبدو أننا سنظل نسمع ونشاهد ونتابع تلك المفاجآت والمعجزات الروسية حتى يوم 18 مارس وإعلان نتائج الانتخابات الرئاسية الروسية بفوز الرئيس فلاديمير بوتين لفترة رئاسية ثانية حتى عام 2024، أو بالأحرى لفترته الرئاسية الرابعة، وبعد ذلك ستبدأ روسيا بإظهار وجه آخر فى الأزمة السورية.

    ومن الصعب أن يتكهن أحد بطبيعة هذا الوجه الآخر، لأن موسكو رفعت سقف إجراءاتها وعملياتها إلى الحد الأقصى تقريبا، وكأنها تؤكد للجميع، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، بأنها مستعدة للذهاب بعيدا، بل وأبعد ما تتوقع واشنطن وحلفائها الأوروبيين والإقليميين، ولكن هذا يعني، من جهة أخرى، أن رفع الأسقف لهذه الدرجة هو أحد مؤشرات الاستعداد للتفاهم والجلوس خلف طاولة المفاوضات، سواء كان ذلك علنيا أو وراء الأبواب المغلقة أو خلف الكواليس المليئة بالعرابين.

    الإجراءات الروسية، التى تبدو كمعجزات، ورفع الأسقف إلى الحد الأقصى يعكسان يأسا روسيا، يدفع موسكو إلى اعتماد مبدأ "علىَّ وعلى أعدائى"، والأعداء هنا ليسوا فقط الولايات المتحدة والتحالف الدولى، وليسوا فقط أوكرانيا ودول البلطيق، أو فصائل المعارضة السورية التى كانت معارضة جيدة عندما استجابت لدعوات روسيا فى أستانة، وأصبحت معارضة متعاونة مع الإرهابيين عندما رفضت السيناريوهات الروسية.

    الأعداء أيضا يتواجدون فى تركيا وإيران، وربما دمشق نفسها، أى ببساطة، روسيا تعلن للعالم أجمع فى حملات إعلامية وإعلانية ودبلوماسية أنها قادرة على إدارة حملتها العسكرية فى سوريا إلى النهاية، حتى لو انتهت الأمور إلى حرب مباشرة، ولكن يبدو أن الولايات المتحدة وحلفائها لن يحققوا لروسيا هذه الأمنية.

    روسيا تحاول التأكيد على أنها "تلعب بما تكسبه" فقط، بينما رأس مالها الأصلى فى أمان تام، وهذا صحيح بدرجات كبيرة، لأن موسكو فى نهاية المطاف قد تترك الجمل بما حمل وتعود إلى حدودها فى ما قبل عام 2012، ولكن من باب "زيادة الخير، خيرين"، نراها تبذل كل الجهود الممكنة للتأكيد على وجودها فى المنطقة، وعلى إمكانية أن تصبح بديلا عن الولايات المتحدة أو قوة موازية لها، وعلى أن العالم أحادى القطب قد انتهى إلى غير رجعة بصرف النظر عن البدائل الموجودة أو عن البدائل المرجوَّة.

    فى المقابل، يتعمد الغرب استخدام سيناريوهات مرنة ومتحركة مع روسيا، وفى الوقت نفسه لا يمنحها أى صلاحيات إلا الصلاحيات التى يراها مفيدة لتحقيق سيناريوهاته وخططه، وهذا الوضع يضايق موسكو ويغضبها جدا، ويجعلها تشعر بانعدام وزن، وبالتالى، فمن الممكن أن نفهم مواقف روسيا المتطرفة والمتعجرفة، وخطواتها غير المنطقية التى قد تنعكس عليها سلبا داخليا وخارجيا.

    وبكلمات أخرى، فنحن أمام حالة من الخبث والمكر والاستفزازات الغربية والتجاهل لروسيا ولمصالحها من جهة، وأمام حالة من الغضب وانعدام الثقة والتهور والتطرف من جهة أخرى.

    الحالة الثانية، تتعلق بروسيا، وتجعل إجراءاتها مثيرة للتساؤلات أحيانا، وللسخرية فى أحيان أخرى لأسباب كثيرة، على رأسها وسائل الإعلام الروسية الناطقة بالعربية وبغيرها، والتى تواصل تخبطها بأبجديات كلاسيكية بعيدة تماما عن المهنية.

    وسائل الإعلام هذه هى أكبر نقمة على روسيا، لأنها تجرها إلى الخلف لعشرات السنين، وتجعل من الساسة الروس مجرد شخصيات كاريكاتورية مثيرة للضحك والسخرية والأسف، هناك بطبيعة الحال، أسباب أخرى إلى جانب ما سبق، وهذا يتعلق بطريقة التفكير الروسية، والصراعات بين أجنحة الأجهزة الأمنية، والتناقضات بين مجموعات المصالح، والخلافات بين أجنحة السلطة نفسها، على الرغم من أن الجميع يبدون الطاعة الكاملة والخضوع لرأى "المركز".

    روسيا غاضبة من التجاهل الأمريكى والأوروبى، والاستخفاف بها وبمصالحها. وربما هذا ما يدفعها دوما إلى التطرف فى استخدام حق "الفيتو" لدرجة ملفتة، وبالتالى، فهناك بالفعل مخاوف على مستقبل الأمم المتحدة ومجلس الأمن بسبب مناورات الغرب وخبثه من جهة، وبسبب إفراط روسيا واستخفافها وتطرفها فى استخدام هذه "الفيتوهات" الكثيرة من جهة أخرى.

    ولكن فى حقيقة الأمر، فالمسألة لا تهم موسكو كثيرا، خاصة وأنها "تلعب بما تربحه"، ولأنها أيضا من إمبراطوريات الأطراف التى تعتبر حفاظها على حدودها ومصالحها القريبة أولوية مطلقة، بينما الخروج إلى أبعد من ذلك، هو مكاسب إضافية يمكن المناورة بها فى ملفات هنا أو هناك.

    إن روسيا تعاقب الجميع الآن، وتبذل جهودا خارقة فى الحفاظ ولو حتى شكليا على محورها مع تركيا وإيران وبعض المنظمات والتنظيمات، وتعاقب المعارضة السورية المسلحة التى كانت لوقت قريب جالسة مع ممثلى روسيا فى أستانة، وتستخدم حق "الفيتو" بمناسبة وبغير مناسبة للإفلات من تطويق الغرب ليس فقط لها، بل ولحلفائها، وعلى رأسهم طهران وبشار الأسد.

    أما الغرب فهو لا يزال يقف متفرجا بعد أن ضمن مناطقه وحلفاءه فى سوريا، بل ويتعمد عدم منح موسكو أى نقاط أو مكاسب إلا ما تحصل هى عليه بقوة السلاح أو بالفيتو، وهذا الأمر فى غاية الخطورة، لأنه إحدى حلقات دوامة كبيرة يجهزها الغرب لروسيا بخبث وثقة، معولا على المستقبل القريب، وعلى تناقضات وطموحات حلفاء روسيا أنفسهم.

    أشرف الصباغ
    إقرأ أيضاً
    أوروبا مرعوبة من أمريكا وروسيا 2018-10-23 14:33:57 فى حب الرئيس ترامب 2018-10-09 13:30:51 جائزة نوبل للتحرش 2018-10-02 12:47:53 «إس – 300» الحائرة فى سوريا 2018-09-25 19:42:09 مصير بوتين وأردوغان فى إدلب 2018-09-18 10:51:34 فك الارتباط بين الأغا والقيصر 2018-09-11 13:31:37 انتصارات الرئيس بشار الأسد 2018-09-04 14:16:22 سوريا.. الاحتمالات مفتوحة ما عدا الحرب 2018-08-28 14:02:19 كاتبنا نجيب محفوظ الذى..! 2018-08-21 16:59:59 روسيا وضرورة تغيير أمريكا 2018-08-14 15:13:45 جوزيه ساراماجو فى نقد الفصام 2018-08-07 13:51:52 البشرية من الفناء إلى التحول 2018-08-01 09:04:02 أسقف إسرائيل العالية 2018-07-24 18:00:12 الخطأ الوجودى لترامب 2018-07-18 09:06:44 السيد الروسى فى جنوب سوريا 2018-07-10 14:01:18 الموقف المصرى فى سوريا وتنوع العلاقات 2018-07-03 16:10:34 قمة بوتين وترامب بين الوهم والخيال 2018-06-27 18:32:48 البطيختان الإيرانية والتركية 2018-06-19 15:16:30 القمة الأمريكية - الكورية الشمالية بحد ذاتها!  2018-06-12 18:15:16 مخاوف إيران من روسيا فى سوريا   2018-06-05 14:44:32 إرادة الجند فى رحاب العاشر من رمضان 2018-05-29 14:02:30 إيران وروسيا ولغة المصالح بعد شروط الولايات المتحدة 2018-05-22 09:54:20 أوهام روسيا حول موقف أوروبا من الاتفاق النووى الإيرانى 2018-05-15 13:12:51 محفوظ بين دوستويفسكى وجوجول 2018-05-08 12:30:50
    للأعلى