وجهة نظر

سلاح التريليون دولار

2018-02-21 16:52:40 |
  • محمود بسيونى
  • تجوع أمريكا ولا تفرط فى قوتها الناعمة، لا يرغب الكونجرس فى التنازل للرئيس دونالد ترامب عن المساعدات الخارجية كسلاح فى إخضاع دول العالم الفقيرة فى مقابل زيادة المخصصات العسكرية، القوة الناعمة فى مواجهة الصلبة.

    وفى الخلفية مواجهة أخرى بين الرئيس والكونجرس، خصوصا بعد رفض نواب جمهوريين التعديلات التى وضعها ترامب فى الموازنة الجديدة.

    القوة الناعمة أو Soft power هو مفهوم صاغه جوزيف ناى من جامعة هارفارد، لوصف القدرة على الجذب والضم دون الإكراه أو استخدام القوة كوسيلة للإقناع بمعنى أن يكون للدولة قوة روحية ومعنوية من خلال ما تجسده من أفكار ومبادئ وأخلاق ومن خلال الدعم فى مجالات حقوق الإنسان والبنية التحتية والثقافة والفن، ما يؤدى بالآخرين إلى احترام هذا الأسلوب والإعجاب به ثم اتباع طريق تلك الدولة.

    جسدت أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية مفهوم "الدولة الحلم" بالنسبة لدول العالم وتمكنت عبر أفكار الديمقراطية والتحرر وحقوق الإنسان، ونمط الحياة الأمريكية الذى عكسته الدراما الأمريكية من الهيمنة على عقول الشباب، وأصبحت هى النموذج الذى يمكن القياس عليه نسبة تحضر وتقدم أى دولة فى العالم، ونجحت عبر الاستخدامات المتعددة لقوتها الناعمة فى تحقيق انتصارات كثيرة دون اللجوء للسلاح.

    حاليا أمريكا دولة مفلسة أو للدقة على شفا الإفلاس، مديونة بحوالى 20 تريليون دولار ووصلت فوائد ديونها إلى حدود اللامعقول، السيناتور الأمريكى بوب كوركر توقع أن تصل نسبة ديون الولايات المتحدة فى عام 2028 إلى حوالى 91 % من إجمالى الناتج المحلى.

    تقترض أمريكا ما يفوق 100% من ناتجها المحلى الإجمالى، لذلك هى مجبرة على خفض الإنفاق على مدى السنوات العشر المقبلة بمبلغ 3 تريليونات دولار، ورغم ذلك تتجنب الولايات المتحدة التفريط فى قوتها الناعمة، رغم تراجعها فى ظل المنافسة مع الصين وروسيا وأوروبا على التأثير فى دول العالم الثالث، إلا أن ترامب قرر الانحياز للقوة الصلبة بزيادة ميزانية الدفاع والأمن الداخلى ومكافحة الهجرة غير الشرعية على حساب القوة الناعمة وهى ميزانية المساعدات الدبلوماسية والخارجية الموجهة بشكل رئيسى لوكالة التنمية الدولية المعروفة بالمعونة الأمريكية، ولكن بعض أعضاء الكونجرس وصف التخفيض بأنه تهديد للأمن القومى فى إشارة إلى خطورة تنازل أمريكا عن "قوتها الناعمة".

    أقرب التصورات لحجم الإنفاق السنوى على المساعدات الخارجية بأنواعها والفضائيات والإذاعات الموجهة مثل "الحرة" فى الشرق الأوسط، فضلاً عن التمويلات المقدمة لمراكز حقوقية بطرق مباشرة أو غير مباشرة خلال السنوات الأخيرة تقترب من تريليون دولار، وتضع أمريكا ذلك ضمن حدود الحفاظ على أمنها القومى وهو منهج أمريكى تحاول به تقليل الصراعات المسلحة وتحقيق أهدافها عبر المال أو تصدير النمط الأمريكى فى الحياة عبر الدراما وأفلام هوليوود.

    خسرت الولايات المتحدة كثيرًا من قوتها الناعمة فى الشرق الأوسط، وتنازلت عن دور راعى السلام بالانحياز لإسرائيل فى قضية القدس، ما تسبب فى تقدم روسيا لملء الفراغ مثلما فعلت فى سوريا، كما أحرجها موقفها الملتبس من قضية قطر مع الإمارات والسعودية، وتهاونت مع الجرائم ضد الإنسانية التى ارتكبها أردوغان فى تركيا أو ضد الأكراد فى سوريا، وخسرت معركة الإعلام بانهيار تأثير قناة "الحرة" فى مقابل زيادة تأثير "روسيا اليوم" كما خسرت تأثير مراكز حقوق الإنسان ونشطاء التواصل الاجتماعى، وجماعات الإسلام السياسى، رغم محاولات إحيائها مرة أخرى بعمليات التلميع والتجميل التى يقوم بها الإعلام الأمريكى، حتى "فيس بوك" ثبت إمكانية التلاعب الخارجى فيه بحسب التحقيقات الفيدرالية فى قضية التدخل الروسى خلال الانتخابات، وكثير من أدوات القوة الناعمة أضرت بالولايات المتحدة.

    عمليا تراجع القوة الناعمة وزيادة الأخطار العسكرية مع تصاعد حدة التلاسن بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية وايران، قد يدفع البرجماتية الأمريكية لاختيار طريق ترامب، أو تنجح المؤسسات الأخرى فى حماية القوة الناعمة وتتجنب التفريط فى مكاسبها القديمة.

    أمريكا تواجه صراعا ضخما والنتيجة مفتوحة على كل الاحتمالات.

    محمود بسيونى
    إقرأ أيضاً
    على خط النار 2018-07-12 11:11:06 مفاجآت الحكومة الجديدة 2018-06-14 16:34:36 طريق الآلام بدأ من الدوحة 2018-06-07 17:20:14 رصاص بلا دوى 2018-05-31 12:33:56 فى انتظار معارضة متطورة 2018-05-21 16:11:10 الشيطان يسكن أكاديميات تنمية المهارات 2018-05-09 16:58:59 فى حضرة شيخ المشيخة 2018-05-03 17:04:03 ماذا لو صمت الجيوشى؟ 2018-04-23 14:31:32 تذكرة إلى جهنم 2018-04-18 17:44:13 روايات «علاء برايز» 2018-04-12 12:08:16 قراءة فى خطاب النصر 2018-04-03 12:56:33 عودة الاحتلال العثمانى 2018-03-21 19:00:47 مصر والسودان.. لنقتسم خبزنا معًا 2018-03-14 12:35:16 «بوصلة» الرئيس والأمير 2018-03-08 11:04:36 «استربتيز» ليليان داوود ورامى عصام  2018-03-01 17:32:09 «بوتكس» أيمن نور 2018-02-14 13:38:47 إكرام «النخبة».. دفنها 2018-02-06 21:19:55 رئيس فى مهمة انتحارية 2018-01-31 17:50:14 لن نترك ثأركم 2018-01-24 16:09:13 حكاية إنقاذ وطن 2018-01-18 17:43:26 شكرا لتسريبات النيويورك تايمز   2018-01-08 18:37:19 الأيام الأخيرة لولاية الفقيه 2018-01-03 17:10:26 مصر 2018.. موعد مع الصعود 2017-12-28 13:12:21 هذا هو تاريخ أجدادك الأسود يا أردوغان 2017-12-21 17:22:29
    للأعلى