وجهة نظر

التسخين نحو الحرب فى سوريا.. ولا حرب!

2018-02-20 14:53:09 |
  • د.أشرف الصباغ
  • تعكس تحولات الفترة الأخيرة، التى أسميناها فى ما قبل بالمرحلة الانتقالية قبل الدخول إلى المرحلة الثانية من الحرب فى سوريا، عددا من المتغيرات التى قد تكون مفيدة لهذا الطرف أو ذاك.

    ولكن فى عمومها تكرِّس أمرا واقعا بتقسيم سوريا، أو فى أحسن الأحوال المهيد لتقسيم سوريا طائفيا وعرقيا وترسيم حدود جغرافية "شفافة" كخطوة أولى لما سيستجد بعد ذلك من تحولات.

    من الواضح أن الاتهامات المتبادلة بين روسيا والولايات المتحدة تمثل أكبر حملة كذب وتضليل من جانب كل من موسكو وواشنطن منذ انتهاء الحرب الباردة التى أسفرت عن انهيار الاتحاد السوفيتى.

    ومن الواضح أيضا أن روسيا ارتكب أحد أكبر أخطائها السياسية والإنسانية فى المنطقة عموما، وفى سوريا على وجه الخصوص بإطلاق مبادرتها بتقسيم سوريا إلى مناطق هشة تسمى بـ "مناطق تخفيف التوتر"، وهو ما قاد إلى التمهيد لقسيم هذا البلد، ونعرف جيدا أن الاتحاد السوفيتى هو الذى طالب فى نهاية أربعينيات القرن العشرين بإقامة دولة إسرائيل، وكانت هذه أيضا إحدى الأخطاء القاتلة التى لا تزال تنعكس أثارها على الشعب الفلسطينى إلى الآن.

    وبين روسيا والولايات المتحدة تتحرك كل من تركيا الأردوغانية التى تحلم باستعادة مجد الإمبراطورة "العرجاء"، وإيران التى تطمح لترسيخ نفوذها غرب وجنوب حدودها من أجل تحقيق طموحات أكبر ليس فقط نحو أوروبا، بل ونحو آسيا الوسطى التى تعتبرها طهران منطقة نفوذ تاريخية بالنسبة لها.

    ولكن يجب أن يتم قبل كل ذلك، مد النفوذ الإيرانى إلى البحر المتوسط وباب المندب وخليج عدن لكى تتمكن من مواجهة روسيا والصين أو على الأقل امتلاك أوراق قوية للتعامل معهما.

    خلال هذه المرحلة الانتقالية، تنهار بعض آمال روسيا فى "تسييل" انتصاراتها العسكرية المتواضعة فى سوريا. وذلك بعد أن أبدت تركيا إرادة على اللعب بمفردها فى مناطق تخصها فى سوريا، وتتعامل مع روسيا بمبدأ الندية فى مناطق أخرى تمثل لهما مصالح مشتركة.

    وبالطبع لا تستطيع روسيا اتخاذ أى خطوات عملية ضد هذه التحركات التركية، وإلا سينهار ما يسمى بـ المحور الثلاثي" الذى يضم موسكو وأنقرة وطهران وبشار الأسد وبعض التنظيمات والجماعات والمليشيات المسلحة.

    وفى الحقيقة، فموسكو تريد خلق واقع جديد فى المنطقة يكون الظاهر منه هو "واقع إقليمي"، ولكن فى حقيقة الأمر هو واقع دولى يتعلق بحدود حلف الناتو ومحاولات روسيا الاقتراب ليس فقط من حدوده المباشرة، بل والتوغل فيه وإثارة الاضطرابات بداخله، وهو ما نرى ملامحه حاليا فى تردى العلاقات بين أنقرة وواشنطن، والأولى وبروكسل.

    هذا إضافة إلى وصول روسيا بزخم شديد إلى مياه البحر الأبيض المتوسط، ومساعيها لاستقطاب أكبر قدر من دول المنطقة إلى جانبها مستخدمة التناقضات بين هذه الدول وبين الولايات المتحدة، أو التناقضات والمشاكل والأزمات الداخلية فى نفس هذه الدول. والمقصود هنا دول المنطقة، ودول حوض البحر المتوسط.

    يبدو أن مرحلة "تسييل" روسيا انتصاراها قد انتهت، وبدأ مرحلة عكسية لصالح الولايات المتحدة التى أبدت نفسا طويلا فى انتظار ما ستسير إلى موسكو. ومن دون أى عناء، بدأت الولايات المتحدة فى مد خطوطها لحصار روسيا على أكثر من مستوى، سواء فى سوريا أو فى المنطقة أو فى مناطق أخرى مثل أوكرانيا والبلطيق وجنوب وشرق آسيا، بحيث لم يعد أمام روسيا إلا التلويح بالقوة من جهة، والإعلان عن المزيد من المبادرات الغريبة والمثيرة للتساؤلات.

    ويبدو أن العيب ليس فى مركز اتخاذ القرار الروسى بقدر ما هو فى القنوات التى تساعد هذا المركز فى اتخاذ القرارات الصائبة التى تصب فى المصالح الروسية وليس فى مصالح تنظيمات وجماعات وحركات سياسية وأخرى مسلحة وثالثة طائفية، ولصالح أنظمة عتيقة ستزول إن عاجلا أو آجلا.

    وفى الحقيقة، فروسيا لديها مشكلة "وجودية" و"منهجية" تتمثل فى ذلك الفارق الواسع بين طرح الأفكار الجميلة المنمقة التى تبدو مثالية، وبين تنفيذ هذه الأفكار الذى عادة ما يكون عكس جوهر وتوجهات هذه الأفكار.

    إن إيران غاضبة جدا من روسيا، ولكنها لا تستطيع التملص من قبضتها. وبالتالى تلجأ إلى طرق ملتوية لتنفيذ أهدافها أو على الأقل الحفاظ على بعض مواقعها انتظارا لتوقيتات وظروف أفضل. وهى فى ذلك تعمد على "ملاوعة وتسويف" نظام الأسد وجشعه للسلطة والحرب والممانعة والمقاومة، وعلى تحركات بعض المليشيات التابعة لها، إضافة إلى حركاتها الذاتية فى بعض دول الجوار وما بعد الجوار.

    أما بشار الأسد فهو يلعب بما كسبه غيره، ويعتمد كليا على التناقضات. وللحق فهو نظام بارع للغاية فى استخدام التناقضات حتى ضد السوريين أنفسهم، وليس فقط ضد روسيا أو تركيا أو بقية دول المنطقة، ولكن مثل هذه السياسيات و"البراعة" و"الخبث" نهايتها أليمة للغاية ليس فقط على الأسد ونظامه، ولكن على السوريين الذين يعانون ويلات الحرب للعام الثامن على التوالي، وعلى الدولة السورية التى تتفتت تدريجيا، أو على الأقل يم تكريس أمر واقع سيجبر الجميع على اتخاذ القرار الأليم فى مرحلة ما.

    الحرب قائمة، ولكن الجميع يحذر منها! الحرب دائرة، والجميع يؤكد أنها ضد الإرهاب، بينما أعلن هذا الجميع أنه انتصر على الإرهاب فى سوريا والعراق! أم هل المقصود هو الحرب المباشرة بين موسكو وواشنطن؟! فى الحقيقة، لا موسكو ستحارب واشنطن، ولا العكس. كل ما هنالك أن الطرفين نقلا معاركهما إلى سوريا مؤقتا، ويحاول كل منهما الاعتماد على وكلائه لحين العثور على مخرج مناسب لا غالب فيه ولا مغلوب إلا السوريين وبقية الأطراف "المعكوكة" فى هذا المستنقع.

    أشرف الصباغ
    إقرأ أيضاً
    البطيختان الإيرانية والتركية 2018-06-19 15:16:30 القمة الأمريكية - الكورية الشمالية بحد ذاتها!  2018-06-12 18:15:16 مخاوف إيران من روسيا فى سوريا   2018-06-05 14:44:32 إرادة الجند فى رحاب العاشر من رمضان 2018-05-29 14:02:30 إيران وروسيا ولغة المصالح بعد شروط الولايات المتحدة 2018-05-22 09:54:20 أوهام روسيا حول موقف أوروبا من الاتفاق النووى الإيرانى 2018-05-15 13:12:51 محفوظ بين دوستويفسكى وجوجول 2018-05-08 12:30:50 نجيب محفوظ ومحمد صلاح 2018-05-01 16:02:43 ماذا يمنع روسيا من تسليم «إس 300» لبشار الأسد! 2018-04-24 10:07:11 بوتين والمواجهة مع أمريكا 2018-04-17 13:33:58 الحرب السورية 2018-04-10 11:42:45 حصار الغرب لروسيا وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها 2018-04-03 12:48:49 سوريا ما بعد الافتراضية 2018-03-27 14:40:58 سكريبال ونوفيتشوك وبوتين 2018-03-20 09:27:04 مصير كأس العالم أمام اختبار مواجهات روسية أمريكية! 2018-03-13 11:23:34 ماذا ستفعل روسيا إذا ضربت أمريكا الأسد! 2018-03-06 16:27:24 مفاجآت روسيا ومعجزاتها فى سوريا 2018-02-27 10:45:56 نقلة الشطرنج الأمريكية - الإسرائيلية الجديدة فى سوريا 2018-02-13 15:39:00 الثلاثى الضامن لاستمرار الحرب فى سوريا 2018-02-06 10:55:49 الكمَّاشة الأمريكية التركية حول روسيا 2018-01-30 13:07:18 حوارات الطرشان فى سوريا 2018-01-23 14:12:34 المحور الروسى فى سوريا والأفخاخ الممكنة 2018-01-16 14:11:01 السنوات السبع العجاف فى سوريا 2018-01-09 11:43:52 روسيا بين سوريا وإيران فى 2018 2018-01-02 16:05:43
    للأعلى