وجهة نظر

نقلة الشطرنج الأمريكية - الإسرائيلية الجديدة فى سوريا

2018-02-13 15:39:00 |
  • د.أشرف الصباغ
  • كان أبرز رد فعل روسى على القصف الإسرائيلى لأهداف معينة على الأراضى السورية، هو أن موسكو لا تمتلك معلومات حول وجود قاعدة عسكرية لإيران بالقرب من تدمر فى سوريا.

    هذا ما أكده المبعوث الخاص للرئيس الروسى إلى دول الشرق الأوسط وإفريقيا، نائب وزير الخارجية ميخائيل بوجدانوف، ودعا "جميع الأطراف" إلى الهدوء لتفادى أى تصعيد خطير فى المنطقة".

    أما القصف الأمريكى لبعض الأهداف فى دير الزور ومناطق أخرى، فقد كان مفاجئا ومثيرا للغضب، ولكن لم تصدر أى ردود أفعال من روسيا، إلا تلك التصريحات القديمة بشأن شرعية وجود قوات روسية فى سوريا، وعدم شرعية الوجود الأمريكى هناك.

    ولكن الروايات التى يتم تداولها بقوة داخل روسيا، تشير إلى سقوط أعداد كبيرة من متطوعين روس يحاربون إلى جانب نظام الأسد والمليشيات الإيرانية ومجموعات حزب الله.

    لقد أعطت روسيا جميع الأطراف انطباعا بأنها انتصرت فى نقلة الشطرنج الأولى فى سوريا، ومن ثم سارعت إلى "تسييل" مكاسبها فى مؤتمرات وصيغ سياسية، تؤكد تارة أنها مجرد صيغ لمساعدة الصيغة الرئيسية فى جنيف، وتارة أخرى يستغرقها الطموح لتعلن، عبر تسريبات، بأن أستانا وسوتشى بديلا لجنيف، مع إطلاق حملا إعلامية تركز على فشل عملية جنيف.

    ولكن بعد التحولات الميدانية الواسعة فى الأسبوعين الأخيرين، بدأ سقف الطموحات يهتز بشدة فى طريقه إلى الأسفل.

    فى اتصال هاتفى بين الرئيسين الروسى فلاديمير بوتين والتركى رجب طيب أردوغان، تم الاتفاق على عقد قمة ثلاثية روسية تركية إيرانية فى إسطنبول على غرار تلك القمة التى عقدت فى منتجع سوتشى الروسى ولم تخرج بأى شيئ يذكر على الإطلاق، وبعد عدة أيام أعلن نائب وزير الخارجية الروسى بوجدانوف أن روسيا وتركيا وإيران "قد تعقد لقاء ثلاثيا حول سوريا فى أستانا على مستوى وزراء الخارجية فى شهر مارس المقبل.

    ومر بوجدانوف مرور الكرام على واحدة من أخطر الجرائم التى ارتكبتها روسيا فى سوريا بقوله: "من المحتمل تمديد فترة عمل مناطق تخفيف التوتر فى سوريا"، أى أن هذه المناطق قد لا يكون لها أى جدوى فى المرحلة المقبلة، بالضبط مثل مؤتمر سوتشى المثير لا للتساؤلات فقط، ولكن للسخرية أيضا.

    لقد أخطأت روسيا فى البداية بتحديد مناطق ما يسمى بـ "تخفيف التوتر" فتم استغلالها جيدا من جانب كل من الولايات المتحدة وتحالفها، ومن جانب تركيا أيضا، وحاولت إصلاح الوضع بإطلاق مؤتمر سوتشى، فداست على إيران ونظام الأسد، وهمَّشت الأولى بطريقة أثارت غضبها وجعلها تشعر بالخطر.

    وهنا استغل الطرف التركى الموقف ليواصل تقدمه، بينما استغلت الولايات المتحدة نفس الموقف لتقوم بعمليات عسكرية مباشرة، يقال إن عددا كبيرا من الروس كانوا ضحاياها، ولم تتأخر إسرائيل عن هذا "الحفل المهيب" فبدأت تعلن عن نفسها بقوة، وذلك بصرف النظر عن إسقاط مقاتلتها، لأن إسقاط مقاتلة لا يعنى أى شيئ فى إطار معركة وحرب طويلتين ومدمرتين، وبصرف النظر أيضا عن طنطنات جبهات الصمود والتصدى بـ "الانتصار المعنوى" و"تغيير موازين القوى فى المنطقة" و"الانتصار المبين لطهران والأسد".

    إن إسقاط طائرة الكيان الصهيونى ربما يكون أكثر جدوى وفائدة لإسرائيل وليس لصالح إيران ونظام الأسد. وهو ما نرى تداعياته الآن، وما سنراه فى الفترة القليلة المقبلة.

    لقد حسم وزير الخارجية الأمريكى ريكس تيلرسون مسألة المبادرات والصيغ والمؤتمرات بالتأكيد على أن "الصيغة الوحيدة لتسوية الأزمة السورية، هى صيغة جنيف"، أى ببساطة لا مانع من أن تجلس روسيا مع إيران وتركيا ونظام الأسد وبعض مجموعات المعارضة السورية غير المؤثرة والتى لا تمتع بأى نفوذ إلا لدى موسكو وطهران والأسد.

    ولكن كل هذه "الجليات" و"اللقاءات" لا تعنى شيئا لا للولايات المتحدة، ولا لعملية التسوية، ويبدو أن موسكو تعرف ذلك جيدا، ولكن لا بديل لديها بعد أن تورطت بزاوية ضيقة جدا وبشكل تدريجى غير محسوس فى الفخ الأمريكى، أو بالأحرى فى المستنقع السورى، وبالتالى، فأى لقاءات أو مؤتمرات تالية للمحور الروسى الهش، لن يكون لها أى فائدة فى ظل التحولات الجذرية الأخيرة على الأرض.

    فى هذا الصدد تحديدا، تظهر تدريجيا التناقضات بين مكونات المحور الروسي. فعلى مستوى التصريحات الدبلوماسية والسياسية، نجد أن الأمور بخير بين بوتين وأردوغان وروحاني. ولكن فجأة يخرج قادة الحرس الثورى الإيرانى بتصريحات مفادها أنه "لولا المليشيات الإيرانية ومليشيات حزب الله، لكان الأسد قد غادر القصر منذ سنوات"! وفجأة يعلن الرئيس التركى أردوغان رفضه الحوار مع بشار الأسد، ويقول: "لن نتحاور مع الأسد الذى قتل مليون إنسان فى سوريا"، وإن "التحركات الكبرى والأساسية لم تبدأ بعد، وإن دور إدلب سيأتى بعد الانتهاء من عفرين، وإن ما قمنا به حتى اليوم، لا يمكن اعتباره حتى جولات إحماء.. تحركاتنا وحملاتنا الكبيرة،" سننفّذها خلال المرحلة المقبلة".

    يبدو أن هذه الجولة تميل كفتها لصالح الولايات المتحدة، بصرف النظر عن اختلافنا أو اتفاقنا مع السياسات والتصرفات الأمريكية ليس فقط فى سوريا، وإنما فى العالم كله. وفى الحقيقة، فواشنطن لم تبذل مجهودا كبيرا، ولكنها استخدمت نفس السيناريو الروسى الذى يعتمد على استثمار التناقضات بين الأطراف، واعتمدت أيضا على "حصانها الأسود" فى تل أبيب، والذى انطلق فى الوقت المناسب ليبدأ بنقلة شطرنج موازية توفر كل الغطاءات الممكنة لتحييد إيران إما بضربات عسكرية مباشرة أو غير مباشرة، محدودة أو واسعة، فى سوريا أو خارج سوريا.

    ولا حديث عن "موازين القوى" فى هذه الحالة، لأن روسيا لا يمكنها أن تعمل على الإخلال بميزان القوى الأصلى القائم فى المنطقة، والذى يميل نحو الكيان الصهيوني.

    د.أشرف الصباغ
    إقرأ أيضاً
    فى حب الرئيس ترامب 2018-10-09 13:30:51 جائزة نوبل للتحرش 2018-10-02 12:47:53 «إس – 300» الحائرة فى سوريا 2018-09-25 19:42:09 مصير بوتين وأردوغان فى إدلب 2018-09-18 10:51:34 فك الارتباط بين الأغا والقيصر 2018-09-11 13:31:37 انتصارات الرئيس بشار الأسد 2018-09-04 14:16:22 سوريا.. الاحتمالات مفتوحة ما عدا الحرب 2018-08-28 14:02:19 كاتبنا نجيب محفوظ الذى..! 2018-08-21 16:59:59 روسيا وضرورة تغيير أمريكا 2018-08-14 15:13:45 جوزيه ساراماجو فى نقد الفصام 2018-08-07 13:51:52 البشرية من الفناء إلى التحول 2018-08-01 09:04:02 أسقف إسرائيل العالية 2018-07-24 18:00:12 الخطأ الوجودى لترامب 2018-07-18 09:06:44 السيد الروسى فى جنوب سوريا 2018-07-10 14:01:18 الموقف المصرى فى سوريا وتنوع العلاقات 2018-07-03 16:10:34 قمة بوتين وترامب بين الوهم والخيال 2018-06-27 18:32:48 البطيختان الإيرانية والتركية 2018-06-19 15:16:30 القمة الأمريكية - الكورية الشمالية بحد ذاتها!  2018-06-12 18:15:16 مخاوف إيران من روسيا فى سوريا   2018-06-05 14:44:32 إرادة الجند فى رحاب العاشر من رمضان 2018-05-29 14:02:30 إيران وروسيا ولغة المصالح بعد شروط الولايات المتحدة 2018-05-22 09:54:20 أوهام روسيا حول موقف أوروبا من الاتفاق النووى الإيرانى 2018-05-15 13:12:51 محفوظ بين دوستويفسكى وجوجول 2018-05-08 12:30:50 نجيب محفوظ ومحمد صلاح 2018-05-01 16:02:43
    للأعلى