وجهة نظر

عن أيامنا الأكثر براءة

2018-02-13 09:52:56 |
  • أسامة سلامة
  • "أكاد أسمع دقات قلبى يومها، لا توجد فرصة للتراجع ولا مفر من الاستمرار، دخلت من باب المدرسة، لحظتها شعرت بأن ما بداخلى ليس مجرد هواجس طفل يبدأ يومه الدراسى الأول، ولكنها حقيقة واقعة، لحظتها بدأت أحدد ملامح هذا المجهول الذى يخيفنى".

    فى كتابه الرائع "كلام عيال.. عن أيامنا الأكثر براءة" يعود الكاتب البارع هشام أبو المكارم إلى أيام الطفولة، ويرجع بنا نحن أبناء الجيل الذى جاوز الخمسين أو اقترب منها إلى ذكريات تكاد تتطابق عند كُل منّا خصوصًا لدى أبناء الصعيد الذين عاشوا نفس الأجواء، رغم اختلاف القرى والمدن.

    يحكى هشام عن معاناة أول أيام المدرسة، وألم الانتزاع من أحضان الأمهات، ومن الحرية إلى قيود المدرسة، ولكنه لا يقف عند المدرسة، فيأخذنا إلى مناطق أخرى يتذكرها جيله من الصعايدة بحنين جارف، بعضها سعيد وبعضها مؤلم.. مثل أيام الأحزان والجنازات والعديد على الميت والندابات، والكلام الذى يرددنه حتى ينفطر القلب حزنًا، تتسابق النساء إلى البكاء والعويل، ويكتم الرجال أحزانهم ويتجنبون البكاء مهما جاشت مشاعرهم.

    يقول هشام: "لا أعرف لماذا كنت فى طفولتى مغرمًا بسماع العديد، صحيح أننى لم أكن أفهم معانيه بشكل دقيق وواضح، ولكننى كنت أستمع بحالة من الشجن التى يبثها فى نفسى"، وإذا كانت هناك عدة دراسات عن العديد، وتم جمع بعضها فى كتب إلا أن هشام يذكر أشياء أخرى لم يلتفت إليها المهتمون بالفلكلور، مثل طقوس صناعة الكشك، والتى تمتد لأكثر من شهر.

    لقد حظت صناعة الخبز بدراسات كثيرة، وهناك كتب تضمنت أنواعه المتعددة حسب المحافظات المختلفة، ولكن الكشك الصعيدى تجاهله الجميع، ويكاد الآن يندثر رغم أنه لم يكن يخلو منه بيتًا سواء من الفقراء أو الأغنياء لأنه، مثلما كتب هشام، "رصيد استراتيجى لأى يوم تعجز الأسرة عن تدبير طعامها فتتناوله مع الشاى ويخلطونه باللبن أو العسل أو يضعونه مع البيض المقلى، بل ويطبخونه مع الدجاج".

    ويمضى بنا هشام إلى ذكريات المسحراتى، والذى كان دوره مهمًا فى ذلك الوقت من الزمن، قبل أن تدخل الكهرباء إلى القرى ويمتد السهر فى طرقاتها حتى الصباح، وكما أنهت الكهرباء مهمة المسحرتى، فقد قضت أيضًا على حكايات العفاريت، والتى كانت تملأ شوارع وحوارى القرى ليلاً، وخاصة فى الأماكن التى شهدت حوادث قتل "حيث عقيدة الناس آنذاك أن القتيل بعد موته يخرج قرينه من الجن ويظل موجودًا فى مكان موته ولذلك فإن الناس كبارًا وصغارًا يتحاشون المرور فى الأماكن التى شهدت جرائم قتل خاصة فى الليل".

    وبجانب ذلك، يتذكر هشام حكايات الحاوى الذى تستجيب له الثعابين ويخرجها من المنازل، والأدوية الشعبية التى كانت علاجا لمعظم الأمراض، ولعب الكرة فى الشارع، وفرحة مشاهدة السينما أول مرة.

    يكبر هشام ويبدأ فى التعلق بقصص المغامرين الخمسة وبرامج الأطفال فى التلفزيون الذى دخل بيوت أثرياء القرى مع دخول الكهرباء، وعندما يحصل على الشهادة الابتدائية يشد الرحال إلى المدينة ليلتحق بالمدرسة الإعدادية ثم الثانوية، وبعدها إلى الجامعة، حيث تنتهى أيام البراءة وتبدأ مرحلة أخرى.

    هذا الكتاب مهم لمن يريد أن يفهم نفسية أبناء الصعيد من هذا الجيل الذى جرى به العمر سريعًا، ويجعل الصعايدة يستعيدون أيام براءتهم قبل أن تدهمهم المدينة وتدهسهم المدنية.

    أسامة سلامة
    إقرأ أيضاً
    هل تعرف الأجيال الجديدة أبطال أكتوبر؟ 2018-10-09 08:42:39 شيزوفرنيا سياسية.. أونج سان سوتشى نموذجًا 2018-10-02 10:27:42 شهيد «التختة» وضحية التابلت 2018-09-25 10:22:52 مرض اللامبالاة.. حادث ديرب نجم نموذجًا 2018-09-19 10:51:28 التكريم الصحيح 2018-09-11 08:54:32 هل يرد محافظ المنيا على رسالة المتطرفين؟ 2018-09-03 10:12:48 ماوريسيو سارى.. الحياة تبدأ بعد الأربعين 2018-08-28 08:29:20 سما المصرى تنقذ المنتخب 2018-08-14 13:08:01 سلامة موسى 2018-08-08 08:53:47 كلاب وأفاعٍ 2018-07-31 12:31:45 أين الخلل؟ 2018-07-24 07:57:52 شيخ الأزهر بين بريطانيا والمنيا 2018-07-17 14:07:00 أبطال مستشفى الحسين 2018-07-10 11:24:06 إنهم يقتلون اللاعبين.. أليس كذلك؟ 2018-07-03 18:47:12 باقى رغم الرحيل 2018-06-26 10:23:09 هل يرد الأزهر الصاع صاعين للسلفيين؟ 2018-06-12 12:22:59 انتحار طالبة ثانوى 2018-06-05 09:24:57 هل يرد المسلمون تحية المسيحيين؟ 2018-05-29 09:04:50 بوفون ولوكاريلى.. معنى الانتماء 2018-05-22 09:19:04 مجتمع اللامعقول 2018-05-15 09:09:50 هل أخطأ وزير التعليم؟ 2018-05-08 09:09:44 ضباع الفيس بوك 2018-05-01 09:28:17 يورجن كلوب.. شكرا 2018-04-24 08:50:48 رجلان مختلفان 2018-04-17 09:13:29
    للأعلى