وجهة نظر

عربة كارو

2018-02-10 11:44:43 |
  • عزة كامل
  • عندما بدأ الغروب يزحف ببطءٍ طاردًا ما تبقى من خيوط الشمس الأرجوانية فيما وراء الأفق، قادتها قدماها التى تورمت وامتلأت قروحا إلى عشة من القش بالقرب من النهر.

    استلقت ترنو إلى الظلام فى الخارج، وجدت نفسها تبكى فجأة، فهى صغيرة على مثل هذا العبء الثقيل، أخيرًا غفت وحلمت أنها تنعم بحياة أكثر غدقًا وأوفر حظًا.

    استيقظت، مشت لا تلوى على شىء، وجدت نفسها فى سوق إحدى القرى، أخذت تجوب السوق تتسكع بداخله، عادت إلى العشة قبل هطول الليل.

    انداحت الأيام الأولى لا يشغل بالها إلا انتظار يوم السوق الأسبوعى تذهب فى الصباح الباكر وتعود قبل الغروب، تلملم بقايا الخضروات وثمار الفاكهة المعطوبة فى ذيل جلبابها، ترجع إلى العشة لتنعم بالتهامها محاولة الحفاظ على بعضها لسد رمق جوعها فى الأيام التالية.

    أحيانًا كانت تنعطف صوب الحقول فى الليل الدامس، تسرق جذر بطاطا، عدد من كيزان الذرة وقد يحالفها الحظ ببضع ثمارات من الطماطم أو البصل، كانت قدماها تخترقان هذه الحقول بحذر ووجل.

    بمرور الأيام، فى يوم السوق بعد رجوعها للعشة كانت تذهب إلى النهر تغتسل من الطين والأوساخ التى علقت بها، تجهز عشاءها وتقبل عليه منتشية.

    نجحت ذات مرة أن تجد عملًا فى السوق يدر عليها نقودًا بسيطة، بعد أن اتفقت مع امرأة عجوز أن تساعدها فى بيع الخضار وبعض البضائع الأخرى التى تحملها على عربة كارو دون حمار يجرها.

    كانت تقوم بمهام الحمار، عند انتهاء السوق تجر العربة إلى منطقة تبعد مسافة 2 كيلو، حيث تسكن المرأة.

    استطاعت بهذه النقود أن تشترى قماشًا رخيصًا فصلته جلبابًا، وشبشبًا جديدًا وقطعة صابون، علمتها السوق كيف تبتاع وتشترى، وكيف تقايض بما يجود به بعض البائعين عليها من بقايا خضار، تتحصل على ما تحتاجه من سكر وشاى وبعض أرغفة الخبز.

    عرفها الناس، أصبح لها زبائن وبدأ ينتبه لها نساء ورجال السوق، لا أحد يعرف عنها شيئا، كيف أتت فجأة وتربعت بذكاء فى نسيج هذا السوق، لا يزال سرها يحيرهم إلى الآن.

    يرونها تحمل صناديق الخضار من مكان لآخر تجرجر العربة فاردة صدرها العريض الذى لا يتناسب مع سنها وقامتها النحيفة، تجوب السوق بوجه مبتسم بشوش، تفض مشاجرات البائعين مع الزبائن قائلة لهم: "صلوا على النبى، كل شىء بالتفاهم، كل عقدة ولها حل إن شاء الله".

    عندئذ ترتخى الأجساد المشدودة، تمتنع الألسنة عن التهديد والوعيد، يتوقف السباب والصراخ ويحل محله اعتذار وابتسامة منشرحة، تفعل ذلك بدقة وبسرعة كأنها خبيرة متمرسة فى فض الشجار والخلافات.

    تقف حائرة ومرتبكة أمام دكاكين تزدحم رفوفها بالصابون والسكر والزيت والدخان، أقمشة متنوعة مفرودة على مناضد عريضة ومن الأسقف تتدلى شيلان وطرح ملونة، تتراص الأجولة فى مقدمة الدكاكين مليئة بالأرز والملوخية الجافة والتمر والفول والمكرونة والتوابل والملح، يبحلق فيها أصحاب الدكاكين عندما تأتى لشراء الشاى والسكر، ترتبك وتشيح بوجهها، تأخذ ما تريده وتجرى مسرعة، تجاهد لتشق طريقها بين الكتل البشرية، التى تعج بها السوق من وجوه وطواقى وطرح وأيدى محملة بالبضائع فى أكياس من البلاستيك، مسافة طويلة حتى تصل إلى المرأة العجوز صاحبة العربة.

    ذات صباح، أتى إلى السوق مرتديًا جلبابًا أبيضًا وشالًا رماديًا ممسكًا بيده اليمنى عصا، تسبق حيويته وخطواته الواسعة.

    تقدم إلى العربة التى كانت تقف خلفها، التقت عيناه بعينيها، كان الحدر واليقظة تشع منهما.

    فى هذه الأثناء كانت المرأة العجوز تراقب المشهد بصمت، جالسة فى زاوية بجوار العربة، تنظف الخضار فى دلو موضوع بين ساقيها المفرودتين، كان الهواء ثقيلًا قائظًا ويسبب ضيقًا فى التنفس، بدا أن الرجل يعرفها جيدا، وقف بضع دقائق ساكنًا وعيناه مثبتتان عليها، أصاب وجهها الشحوب وبدا عليها الوجوم، أمسكت بحزمة جرجير وأخذت تخبط بها على سطح العربة، كانت رائحة روث البهائم الآتية من حظيرة خلفها تزكم أنفها وتفكرها بماضى تريد أن تنساه وتمحوه من الذاكرة، أخذتها موجة من العطاس والسعال المتلاحق، أسرع الخطى وذاب فى زحام السوق.

    فى الأسبوع التالى فى يوم السوق، ذهبت للمرأة العجوز، سادرة فى أفكارها مشتتة البال والخاطر، ثوبها قذر، ممزق، وهالات سوداء تغطى ما حول عينيها، ألقت المرأة عليها نظرة حادة وقالت: "ما بك يا بنتى، هل تشعرين بوعكة"، ردت "لا شىء يا خالة، لم أنم البارحة"، قالت "خير فيه شىء حدث؟"، ردت "خالة أريد مكان أنام فيه"، لم تسألها المرأة لماذا؟ فلم تكن تتوجس أو ترتاب منها، فهى لم تسألها من قبل من هى؟ وما حكايتها؟

    أشفقت عليها، حضنتها وغرست رأسها فى صدرها: "ابكى يا بنتى فى صدرى، لا تخجلى من دموعك، فالدموع المحبوسة تتيبس وتستحيل مع الأيام إلى خناجر وسكاكين فى قلبك، ابكى يا بنتى، إن الله ستار غفور رحيم"، فيما تنبها على صوت جهورى أتى من بعيد: "وجدوا قتيل يا جدعان، فى عشه على ضفة النهر".

    نظرت المرأة إليها، دفعتها برفق من حضنها وقالت لها: "اجمعى البضاعة، أنا تعبانة، خلينا نروح بدرى النهاردة نستريح فى عشتى".

    وضعت جسمها بين يدى العربة، اكتسب وجهها راحة وسلام، شقت طريقها بين البائعين المتناثرين فى كل مكان يعرضون بضائعهم وأصوات نهيق الحمير وخوار البقر وثغاء الأغنام تطن فى أذنيها، وضجيج وصخب المشترين يتعالى، ضغطت على شفتيها بقسوة، استدارت لتلقى نظرة أخيرة على السوق.

    مضت فى طريقها مثقلة بحمولتها، تقاوم الخوف وتخلع التعب.

    عزة كامل
    للأعلى