وجهة نظر

ليميتد إيديشن

2018-02-08 09:46:18 |
  • إيرينى ثابت
  • هل يوجد من الناس مَن يمكن أن تطلق عليه أنه طبعة محدودة، أو ليميتد إيديشن "Limited Edition"؟

    أرسلت لى صديقتى شادن رسالة عبر الواتساب باللغة الإنجليزية تصف فيها جيلا من الآباء الذين يسألهم أبناؤهم كيف عاشوا طفولتهم دون الآتى: التكنولوجيا.. الكمبيوتر.. الإنترنت.. الموبايل.. السوشيال ميديا.. وغيرها؟!

    وكانت إجابة الآباء بسؤال هو كيف يعيش الأبناء بدون: صلاة.. تعاطف.. احترام.. شخصيات متميزة.. خجل.. تواضع.. قراءة..؟!

    ربما لا أتفق كثيرا مع توصيف الجيل الجديد ككل بتلك الصفات، ففيهم الكثير من الأذكياء والمتميزين، ولكن ما استوقفنى فى بقية الرسالة الطويلة، التى تنصف جيل الآباء الحاليين هو وصفهم بتلك الصفة الجميلة "ليميتد إيديشن"، ذلك لأنهم الجيل الذى خضع لآبائه وسمع لأبنائه، تعلم من الجيل الذى سبقه وتعلم أيضا تعاليم الحداثة وما بعد الحداثة مع جيل الأبناء، فصار بحق طبعة محدودة يصعب أن تتكرر، فلا كان جيل الآباء القدامى يسمعون لأبنائهم، ولا سيسمع الجيل الجديد للآباء ولا حتى للأبناء!

    تعبير "الطبعة المحدودة" أخذنى إلى رحاب بعيدة، شخصيات مختلفة تنتمى لعنوان ليميتد إيديشن، إذا قابلتهم فى حياتك فأنت محظوظ محظوظ، أول تلك الشخصيات هى "الشخصية الزاهدة" فى هذا العالم الاستهلاكى التكنولوجى الطماع الطامح المتقوقع حول رغباته، قلما تجد شخصية زاهدة، وملامح هذه الشخصية واضحة، هو غالبا شخص ممتلئ حكمة أو علم أو إيمان أو غير ذلك من الشبع العقلى والنفسى والروحى، متضع الملبس، وعف النفس، وباسم الثغر، ولا يطلب شيئا أبدا غير مكترث بالألقاب ولا المقتنيات رغم أنه غالبا يكون مرموقا فى مجاله، وهو فى الوقت ذاته يتصف بـ"التخلى"، يتخلى عن كل شئ مادى ومظهرى، وفى وجوده نستشعر الرهبة رغم تواضعه، ونخجل من ذواتنا الطماعة.

    وثانى تلك الشخصيات التى توصف بأنها "ليميتد إيديشن" هى الشخصية الـ "altruistic" التى يدعونها "الشخصية الإيثارية" فى عالم أنانى يشجع المنافسة، والانتصار، والإنجاز الفردى، ويثمّن على الفردية والتفوق مهما كان طريق الوصول لهما، يندر أن تجد شخصية تؤثر الآخرين على نفسها، وتضع مصالح واحتياجات وأتعاب الآخر أمام عينيها فتبذل من أجل الآخرين بحب وبفرح وقطعا دون انتظار أى نوع من المكافأة، وتتميز تلك الشخصية أيضا بابتسامة تضئ لا وجهها فحسب بل تفرح الكون كله من حولها، وإذا أسعدك الحظ وقابلت مثل هذا الشخص ستعرفه من عينيه اللتين يلاحظان كل إنسان فى محيطه، ويلتقطان حاجة كل واحد، وقلبه الذى يشعر بالآخرين، وعقله الذى ينشغل بهم، ثم سلوكه الهادئ الذى يلبى حاجات الآخر دون ضوضاء، وغالبا يكون مستمعا جيدا جدا أيضا.

    أما الشخصية "الريحانية" أو "الجاهينية" فقد تقرأ عنها أو تراها فى السينما فى عمل خيالى، لكن أن تقابلها فى حياتك فهذا من الصعب بمكان، وقد أعطيتها اسم نجيب الريحانى أو صلاح جاهين لأننى لا أعرف لها اسما أو توصيفا، هى شخصية كوميدية تضحكك كثيرا جدا وتبهجك، ولكنها فى الوقت نفسه تضع على قلبك علامة تراجيدية سوداء، وهو غالبا شخص يضحكك ولا يضحك هو، بل بالعكس، قد تجده عابسا معظم الوقت، يسخر من كل شىء فى العالم عن طريق سخريته من نفسه، وهذا أعجب ملامحه! ترثى له وتضحك عليه ولكنك تشعر أنه شخص عظيم، هو متضع وكبير، حالم ورومانسى لكنه واقعى جدا إلى حد البكاء، شديد التنكيت وعظيم الحكمة، متناقض جدا!

    إذا كان لك أب أو معلم من الشخصيات الزاهدة، وشريك حياة من الشخصيات الإيثارية، وصديق من الريحانية الجاهينية، فأنت فى حلم وينبغى أن تصحو بسرعة وتقابل شخصيات الواقع التى تندرج تحت عنوان "نسخة مجانية" أينما ذهبت "Free Edition everywhere you go".

    إيرينى ثابت
    للأعلى