وجهة نظر

الثلاثى الضامن لاستمرار الحرب فى سوريا

2018-02-06 10:55:49 |
  • د.أشرف الصباغ
  • لم يعد هناك أى شك فى هشاشة المحور الروسى – التركى – الإيراني الذى يجمعه العداء للولايات المتحدة فقط.

    ولم يعد هناك أى شك أيضا فى أن ما أسمته روسيا بـ"الدول الضامنة"، وهى بالصدفة روسيا وتركيا وإيران، هى دول تكاد تضمن استمرار الحرب فى سوريا، والإشراف على تطور الأحداث بما يخدم المصالح الأمريكية من جهة، ويجعل بشار الأسد جالسا فى استقرار وأريحية من جهة أخرى، بينما تتطور الأحداث الميدانية من سيئ إلى أسواء، وتتكاثر صيغ ومبادرات التسوية "الوهمية" كالفطر، و"ليذهب الشعب السورى إلى الجحيم".


    التناقضات بين الدول الثلاث الضامنة للحرب فى سوريا أكثر بكثير من التناقضات بين كل منها وبين الولايات المتحدة. ولا يجمع بينها سوى العداء "المحسوب" ضد واشنطن. والأكثر إثارة للتساؤلات، هو أن الدول الثلاث أعلنت انتصارها على تنظيم داعش الإرهابى الذى كانت تصفيته، وفق تصريحات تلك الدول، هى الهدف الأساسى والوحيد لتحركاتها ومناوراتها و"جهودها الجبارة" فى سوريا. ومع ذلك، فمن الطبيعى أن تفقد هذه الدول مصداقيتها، لأن "انتصارها" على داعش كشفها، وكشف عن أجنداتها المختلفة والمتناقضة ليس فقط فى سوريا، ولكن خارجها أيضا.

    هذا المشهد التشاؤمى المضبب، لا يخص هذا المحور الهش فقط، بل يتعلق أيضا بالنوايا الخبيثة لكل من الولايات المتحدة وحلفائها، وبالسيناريوهات الأمريكية الأكثر شرا وانحطاطا عبر التاريخ. ومن الصعب تبرئة واشنطن من دماء السوريين، بالضبط مثل صعوبة تبرئة بشار الأسد ونظامه الديناصورى، أو أى من الدول الضامنة لاستمرار الحرب فى سوريا.

    نظام الأسد يعتبر تركيا دولة محتلة. ونظام الملالى يطالب تركيا بوقف عملياتها العسكرية. بينما روسيا صامتة صمت القبور. بل وتقوم بالتنسيق عسكريا وسياسيا مع تركيا التى لا تفوِّت أى فرصة إلا واستفادت منها للحد الأقصى. روسيا استبعدت إيران تقريبا من مؤتمر ما يسمى بـ "الحوار الوطنى السورى" فى سوتشى، بهدف إرضاء خصومها فى المنطقة، وعلى أمل أن يشارك هؤلاء الخصوم فى الخطط والصيغ والمبادرات الروسية بشأن سوريا. ولكن ذلك لم يحدث، ولن يحدث، لأسباب كثيرة يعرفها الروس قبل غيرهم، ولكنهم يواصلون تحركاتهم فى نفس الاتجاه، معولين ولو على دق الأسافين أو زرع تناقضات قد تسفر عن أى نتائج.

    المكالمة الهاتفية التى جرت بين الرئيس الروسى فلاديمير بوتين ونظيره الإيرانى حسن روحانى دارت حول استعدادهما لمواصلة العمل على تطوير صيغة أستانا للتسوية فى سوريا.

    والغريب أن الكرملين أعلن بأن "الرئيسين بحثا فاعلية التعاون بين روسيا وإيران فى إطار تطوير صيغة أستانا بشأن سوريا، وأعربا عن استعدادهما لمزيد من العمل المنسق حول تطويرها". وتطرق الرئيسان إلى نتائج مؤتمر ما يسمى بـ "الحوار الوطنى السورى". كل ذلك يعكس خلافات حادة بين موسكو وطهران. ولكن لأن أصابع كل طرف منهما بين أسنان الآخر، لا يمكن لأى منهما أن يعلن عن هذه الخلافات. ويبدو أن اتصال بوتين بروحانى جاء من أجل رفع العتب لكى لا تشعر إيران بأنه قد تم تهميشها إرضاء لآمال روسية فى كسب ود خصومها الإقليميين.

    وليس مصادفة أن يعلن وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف أن هنالك فرصا واسعة لإعادة الإعمار في سوريا، موضحا أن حضور روسيا في عملية الإعمار هناك لا يعني عدم حضور ايران، وأنه "بإمكان إيران وروسيا أن تكملا إحداهما الأخرى في عملية إعادة الإعمار بسوريا ولا حاجة لأن نكون متنافسين.. الفرص متاحة لكل الدول". فعلى ماذا، وعلى مَنْ يرد ظريف؟! ومن أجل إثبات وتثبيت الموقف أعلن ظريف للجميع وعلى رأسهم روسيا والولايات المتحدة عن وجود فرص جيدة للاستثمار في العراق أيضا، مؤكدا مشاركة بلاده فى مؤتمر إعادة إعمار العراق المقرر عقده في الكويت خلال الأسبوع المقبل. وقال مؤكدا: "لنا حضور جيد جدا في العراق اذ تعمل شركاتنا التقنية والهندسية فيه منذ أعوام".

    تركيا تواصل عملياتها العسكرية بكل حرية. بل وتوجه سهامها إلى الولايات المتحدة، على الأقل على مستوى التصريحات الأردوغانية "الساخنة"، وتطالب القوات الأمريكية بمغادرة مدينة منبج شمالى سوريا. ولا يكل أردوغان أو يمل من تكرار أهدافه من الحرب فى سوريا، وأنه لن يتراجع قبل الوصول إلى حلب وإدلب ومدن أخرى. ومن الواضح أن موسكو تعوِّل على اصطدامه بالقوات الأمريكية إن عاجلا أو آجلا، وهو ما لن يتم على الإطلاق، لأسباب كثيرة يعلمها الروس والأمريكيون. والأكثر قربا إلى الواقع أن القوات التركية يمكن أن تصطدم بالقوات الروسية أو حتى بقوات بشار الأسد.

    الرئيس التركى أردوغان أعلن أنه لا يصدق الولايات المتحدة عندما تقول إنها ترسل 5 آلاف شاحنة وألفى طائرة شحن محملة بالسلاح لمحاربة تنظيم "داعش". ولكن مَنْ يصدق أيضا تركيا أو روسيا أو إيران عندما تؤكد أنها ترسل أسلحة ومعدات وقوات لمحاربة داعش، وخصوصًا بعد أن أعلن كل الأطراف انتصاره على "الدواعش"؟!! غير أن الطريف هو تصريح أردوغان الذى وصل إلى حد إثارة "الضحك"، عندما قال أمام أفراد حزبه الإسلامي المحافظ بخصوص الخطط الأمريكية: "هذا يعني أن لديهم حسابات ضد تركيا وإيران وربما روسيا".

    إن أردوغان بدوره يحاول استمالة إيران، وإعطاءها انطبعا بأنها لم تُهَمَّش. ولكن المثير للسخرية أنه يرى أن أمريكا جاءت خصيصا إلى سوريا من أجله، ومن أجل إيران، و"ربما أيضا من أجل روسيا"!! ومن أجل تحسين أداء "الضامن" لا تكل أنقرة ولا تمل من تصريحاتها الفقاعية بأنها ستضرب وتدمر كل أنواع الأسلحة التي يمكنها أن تتحرك فى مناطق نفوذها فى سوريا. وذلك فى إشارة إلى الولايات المتحدة، وربما لمجاملة روسيا بعد إسقاط مقاتلتها من طراز "سوخى 35" بصاروخ انطلق من مناطق يسيطر عليها حلفاء تركيا.

    الدول الثلاث الضامنة لاستمرار الحرب في سوريا تحاول عقد جولة جديدة من "أستانا" في ظروف تتفاقم فيها التناقضات بينها وبين بعضها البعض من جهة، وبينها وبين التحالف الدولي بقيادة واشنطن. ولا حضور هنا لداعش، وإنما لبشار الأسد، ولمعارضة منقسمة ومتشرذمة، ولأبواق عفا عليها الزمن، ولمصالح كبرى تتجاوز دماء السوريين ومستقبل أبنائهم.

    أشرف الصباغ
    إقرأ أيضاً
    روسيا وضرورة تغيير أمريكا 2018-08-14 15:13:45 جوزيه ساراماجو فى نقد الفصام 2018-08-07 13:51:52 البشرية من الفناء إلى التحول 2018-08-01 09:04:02 أسقف إسرائيل العالية 2018-07-24 18:00:12 الخطأ الوجودى لترامب 2018-07-18 09:06:44 السيد الروسى فى جنوب سوريا 2018-07-10 14:01:18 الموقف المصرى فى سوريا وتنوع العلاقات 2018-07-03 16:10:34 قمة بوتين وترامب بين الوهم والخيال 2018-06-27 18:32:48 البطيختان الإيرانية والتركية 2018-06-19 15:16:30 القمة الأمريكية - الكورية الشمالية بحد ذاتها!  2018-06-12 18:15:16 مخاوف إيران من روسيا فى سوريا   2018-06-05 14:44:32 إرادة الجند فى رحاب العاشر من رمضان 2018-05-29 14:02:30 إيران وروسيا ولغة المصالح بعد شروط الولايات المتحدة 2018-05-22 09:54:20 أوهام روسيا حول موقف أوروبا من الاتفاق النووى الإيرانى 2018-05-15 13:12:51 محفوظ بين دوستويفسكى وجوجول 2018-05-08 12:30:50 نجيب محفوظ ومحمد صلاح 2018-05-01 16:02:43 ماذا يمنع روسيا من تسليم «إس 300» لبشار الأسد! 2018-04-24 10:07:11 بوتين والمواجهة مع أمريكا 2018-04-17 13:33:58 الحرب السورية 2018-04-10 11:42:45 حصار الغرب لروسيا وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها 2018-04-03 12:48:49 سوريا ما بعد الافتراضية 2018-03-27 14:40:58 سكريبال ونوفيتشوك وبوتين 2018-03-20 09:27:04 مصير كأس العالم أمام اختبار مواجهات روسية أمريكية! 2018-03-13 11:23:34 ماذا ستفعل روسيا إذا ضربت أمريكا الأسد! 2018-03-06 16:27:24
    للأعلى