وجهة نظر

الكمَّاشة الأمريكية التركية حول روسيا

2018-01-30 13:07:18 |
  • د.أشرف الصباغ
  • مع انطلاق مؤتمر ما يسمى بـ"الحوار الوطنى السورى" فى منتجع سوتشى الروسى، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية عن تشريع جديد غير مسبوق منذ تفكك الاتحاد السوفيتى يتيح لها فرض عقوبات على شخصيات كبيرة ومؤسسات طاقة روسية.

    طال هذا التشريع رئيس الحكومة الروسية، والمتحدث باسم الكرملين، ورئيس ديوان الكرملين، ورجال أعمال كبار، وتتلخص خطورة التشريع الأمريكى الجديد ببساطة فى أنه لن تكون هناك حاجة لفرض عقوبات على كيانات أو أفراد محددين، لأنه بهذا الشكل يمثل رادعًا جاهزًا لروسيا.

    قد يبدو أن الحدثين لا علاقة بينهما، وقد يحلو للقيادة الروسية ووسائل الإعلام فى روسيا الفصل بين الحدثين أو تفريغ الأمور من مضمونها والتقليل من أهميتها عبر طنطنات إعلامية، ولكن الولايات المتحدة تتعامل مع روسيا بطريقة "الحزمة" وليس بالقطعة.. وفى الوقت ذاته، تستثمر كل الإجراءات العسكرية التركية فى سوريا لفرض المزيد من الضغوط على روسيا التى تواجه فى الأصل ضغوطًا تركية متنوعة أيضًا.

    السؤال الذى يتردد حاليًا بشأن مؤتمر سوتشى، كيف يمكن أن يتفق 1511 شخصًا فى يوم واحد على قضايا لم تتمكن المعارضة السورية ونظام دمشق من التوصل إلى حل لها طوال عدة سنوات فى إطار العديد من الصيغ.. وعلى رأسها جنيف وأستانا؟ يبدو أن موسكو مصممة على "تسويق" مؤتمر سوتشى باعتباره صيغة جديدة مساعدة لصيغة جنيف الأساسية، اعتمادًا على محورها الثلاثى المؤلف من أنقرة وطهران، وعلى مقايضتها مع أنقرة بالسماح لها بإجراءات عسكرية فى سوريا مقابل عدم انهيار هذا المحور.. غير أن الأخيرة تستخدم ذلك بشكل بارع يضع موسكو فى عدة مآزق، ويثير علامات استفهام كثيرة حول مواقفها الحقيقية ونواياها المستقبلية.

    أما طهران، فهى متوارية تمامًا خلف موسكو وأنقرة، لأن تجربة "أستانا" أثبتت فشلها بسبب الإصرار على وجود إيران بين الدول الضامنة، وهو ما أثار انتقادات العديد من الأطراف الفاعلة فى الأزمة السورية ورفضها التعامل مع هذه الصيغة، ولذلك فضلت موسكو دفع طهران إلى الخلفية من دون الاستغناء عن وجودها تماما، تحسبًا لأي متغيرات فى المستقبل القريب، ولسوء الحظ فقد أعلنت باريس وواشنطن رفضهما الواضح والمباشر المشاركة فى مؤتمر سوتشى، ولا شك أن هذا هو موقف بريطانيا أيضًا، بينما الصين تتخذ مواقف حيادية، أقرب إلى المناورات السياسية والدبلوماسية، تخدم مصالحها حصرًا.

    مقابل غياب 4 دول من الأعضاء الدائمين فى مجلس الأمن الدولى، فَضَّلَت وسائل الإعلام الروسية استخدام وسائل "الإثارة والتشويق" بإطلاق معلومات متناقضة حول مشاركة المبعوث الأممى إلى سوريا ستيفان دى ميستورا فى مؤتمر سوتشى لإعطاء انطباع بالمشاركة الجبارة للأمم المتحدة وبهدف شرعنة هذا المؤتمر، ومع كل ذلك، لم يظهر دى ميستورا فى الجلسة الافتتاحية، أثناء كلمة وزير الخارجية الروسية، ولا حتى أثناء اختيار لجنة رئاسة المؤتمر إلى جرت بشكل هزلى لا يختلف كثيرًا عن مناورات الأحزاب والتنظيمات البائسة.

    الأمر الآخر، أن غالبية التقديرات أشارت إلى أن مشاركة دى ميستورا أو عدم مشاركته لن تغير فى الأمر شيئًا، إذ رأى خبراء أن المشاركة فى حال تحققها، هى مجرد لعبة لإبعاد الشبهات عن الأمم المتحدة، وخاصة بعد اتهامات روسيا للعديد من الأطراف بمحاولات تعطيل هذا المؤتمر الذى ولد ميتًا فى الأصل، بنتيجة التعجل والرعونة فى الأداء، وبنتيجة التقديرات غير الدقيقة والحسابات التى تعتمد على أسس هشة، وعدم مبدئية القاعدة التى تكوَّن على أساسها المحور الروسى التركى الإيرانى.. وبالتالى، فغياب طهران عن الأنظار وتواريها خلف موسكو، لم يحل مشكلة تسويق الصيغ والمبادرات الروسية وتفعيها، أو جعلها خطوات يمكن الاعتداد بها والتعامل معها بجدية.

    إن الولايات المتحدة تبذل أقصى الضغوط الممكنة على روسيا من جهة، وتفرض ضغوطا لا تقل عنها قسوة على إيران، وتغازل تركيا من جهة، وتضغط عليها من جهة أخرى عبر "توريطات" عسكرية خارجية، وأخرى سياسية داخلية، وثالثة عرقية فى الداخل والخارج، وعلى أنقرة أن تختار أهون الشرور، وأقل التوريطات خسائرًا.

    أما تركيا فهى تمارس أقسى الضغوط الممكنة على روسيا، وتفرض شروطها بقوة لم يكن يتوقعها أحد، ما يشير إلى أن روسيا وقعت بين فكى كمَّاشة أمريكية تركية، بينما إيران تقوم بأدوار صغيرة ومحدودة لضمان مصالحها، وتراقب فى يقظة وهدوء ما يجرى حولها، وخاصة تحركات روسيا وتركيا التى تثير الامتعاض ليس فقط لدى طهران، بل ولدى نظام الأسد الذى يحاول الالتفاف على جميع الأطراف، بما فيها روسيا نفسها، إذ يعرف الأسد جيدًا أنه الضمانة الوحيدة لمصالح روسيا فى سوريا، وهو ما يجعله يتصرف بهدوء وثقة، ويتعامل مع الأمور بخفة وخبث وبشكل أقرب إلى مناورات الأحزاب والتنظيمات السياسية ومنتديات الشباب وإعلان الانتصارات والطنطنة بالحروب والمواجهات.

    د.أشرف الصباغ
    إقرأ أيضاً
    القمة الأمريكية - الكورية الشمالية بحد ذاتها!  2018-06-12 18:15:16 مخاوف إيران من روسيا فى سوريا   2018-06-05 14:44:32 إرادة الجند فى رحاب العاشر من رمضان 2018-05-29 14:02:30 إيران وروسيا ولغة المصالح بعد شروط الولايات المتحدة 2018-05-22 09:54:20 أوهام روسيا حول موقف أوروبا من الاتفاق النووى الإيرانى 2018-05-15 13:12:51 محفوظ بين دوستويفسكى وجوجول 2018-05-08 12:30:50 نجيب محفوظ ومحمد صلاح 2018-05-01 16:02:43 ماذا يمنع روسيا من تسليم «إس 300» لبشار الأسد! 2018-04-24 10:07:11 بوتين والمواجهة مع أمريكا 2018-04-17 13:33:58 الحرب السورية 2018-04-10 11:42:45 حصار الغرب لروسيا وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها 2018-04-03 12:48:49 سوريا ما بعد الافتراضية 2018-03-27 14:40:58 سكريبال ونوفيتشوك وبوتين 2018-03-20 09:27:04 مصير كأس العالم أمام اختبار مواجهات روسية أمريكية! 2018-03-13 11:23:34 ماذا ستفعل روسيا إذا ضربت أمريكا الأسد! 2018-03-06 16:27:24 مفاجآت روسيا ومعجزاتها فى سوريا 2018-02-27 10:45:56 التسخين نحو الحرب فى سوريا.. ولا حرب! 2018-02-20 14:53:09 نقلة الشطرنج الأمريكية - الإسرائيلية الجديدة فى سوريا 2018-02-13 15:39:00 الثلاثى الضامن لاستمرار الحرب فى سوريا 2018-02-06 10:55:49 حوارات الطرشان فى سوريا 2018-01-23 14:12:34 المحور الروسى فى سوريا والأفخاخ الممكنة 2018-01-16 14:11:01 السنوات السبع العجاف فى سوريا 2018-01-09 11:43:52 روسيا بين سوريا وإيران فى 2018 2018-01-02 16:05:43 روسيا غيَّرت قواعد اللعبة ووضعت الجميع أمام الأمر الواقع 2017-12-26 15:14:47
    للأعلى