وجهة نظر

الوزيرة حامل

2018-01-30 09:20:24 |
  • أسامة سلامة
  • فى شهر يونيو المقبل تستقبل جاسيندا أرديرن، رئيسة وزراء نيوزلندا، طفلها الأول، وحسب ما أعلنته فإنها ستحصل على عطلة قصيرة بعد الولادة، ثم تعود لممارسة مهام منصبها.

    الخبر لم يكن صادمًا فى نيوزلندا، ولا استنكرته وسائل الإعلام، ولم تناقشه برامج التوك شو ولا استضافت شخصين لمناقشة الأمر بين مؤيد ومعارض ويرتفع صوتاهما ويتهمان بعضهما بالعمالة والخيانة والكفر والإلحاد والماسونية وعدم الوطنية، ثم يتبعها خناقة على الهواء تجلب مزيدًا من المشاهدين وتضمن "تشيير" الفيديوهات على المواقع الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعى.

    كل هذا لم يحدث مجرد خبر مر فى هدوء، بعد أن حددت رئيسة الوزراء كيف سيسير العمل خلال عطلتها، الأمر لم يكن جديدًا على المجتمع الغربى، بعد أن تكررت مثل هذه الحالات عدة مرات، أبرزها.. وزيرة الدفاع الإسبانية "كارمن تشاكون" التى تولت منصبها عام 2008 وكانت زعيمة فى الحزب الاشتراكى، وعندما تم ترشيحها للمنصب كانت حاملاً فى الشهر السابع، ولم يستنكر أحد هذا الأمر، رغم أهمية منصبها التى استمرت تشغله 3 سنوات.

    وتكررت الواقعة فى فرنسا بعد أن تولت "رشيدة داتى"، من أصل مغربى، وزارة العدل فى 2008، ووضعت طفلتها بعد توليها المنصب بعام، أما أطرف الحالات فقد حدثت فى اليابان، عندما حملت "يوكو اوبوشى"، وزيرة خفض المواليد وهى فى الوزارة، أما العالم الإسلامى والعربى فقد شهد واقعتين مماثلتين، الأولى فى باكستان عندما وضعت "بينظير بوتو"، مولودتها وهى رئيسة وزراء عام 1990 وسط استنكار كبير من بعض القوى الإسلامية، وأحزاب المعارضة هناك والتى وجدتها فرصة للنيل من شعبية بينظير، ونفس الأمر حدث مع "مباركة بوعيدة" والتى تولت منصب الوزير المنتدب بوزارة الخارجية بالمغرب عام 2004، ثم وضعت طفلها وحصلت على إجازة لمدة ثلاثة أشهر وبعدها عادت لممارسة مهام منصبها.

    ماذا لو حدث نفس الأمر عندنا فى مصر.. وتم الإعلان عن أن إحدى الوزيرات حامل ولا أقصد بالطبع الوزيرات الحاليات واحترامى الكامل لهن، ولكنى أتحدث عن الفكرة فقط، وماذا سيكون رد الفعل وقتها؟

    السلفيون والإخوان ومعهم بعض الأزهريين سيتنكرون الأمر بشدة وسيطلقون الفتاوى مثل عدم جواز تولى المرأة المناصب المهمة لأنها من الولاية الكبرى، وسيقولون إن هذا ما حذرنا منه من قبل، وسيطالبون بإقالتها فورًا.

    إسلاميون آخرون، ومنهم عدد من الأزهريين سيقولون إن تولى المرأة للوزارة حلال، ولكن اهتمامها بأولادها خصوصًا فى الشهور الأولى له الأولوية ومقدم على عملها، وجزء آخر من علماء الأزهر وبعض المنفتحين من التيارات الإسلامية سيباركون الأمر طالما تستطيع التوفيق بين عملها ورعاية طفلها.

    أما جمعيات المرأة سترحب دون أن تقدم أى مبادرات أو دعم أو مساندة للوزيرة الحامل فى مواجهة المهاجمين لها، ودعاة الدولة المدنية سيقفون بجانب الوزيرة وسيتصدرون المشهد دفاعًا عنها من خلال إصدار البيانات، والظهور فى البرامج الفضائية، وكتابة المقالات، ضاربين المثل بما يحدث فى الخارج.

    مواقع التواصل الاجتماعى ستمتلئ بالسخرية والنكات السمجة وخفيفة الظل، وبالآراء والتعليقات والصور الحقيقية والمفبركة والأخبار الصحيحة وغير الدقيقة، وسيفتى من يعرف ومن لا يعرف، وسيقدم البعض النصائح، وسيتبادل آخرون السباب والشتائم، أما الأكثر سعادة فهى الفضائيات التى ستجدها فرصة لملء الوقت.

    برامج الصحة ستستضيف أطباء يتحدثون عن الحمل وتأثير العمل على المرأة الحامل.. وماذا تتجنب؟ وماذا تأكل؟ وكيف تحافظ على الجنين ثم الطفل بعد ولادته؟ أما برامج الطبخ ستتحدث عن أفضل الأطعمة للأم والطفل وما هى الوجبات السريعة التى يمكن أن تعدها الحامل والمرأة بعد الولادة؟ وبرامج الرياضة ستحدد التمارين الرياضة التى يجب على الوزيرة القيام بها حتى تستعيد رشاقتها سريعا بعد الولادة.

    برامج التوك شو ستحاول جذب الجمهور من خلال خناقات الضيوف المستعدين دائمًا لتقديم الخدمات وعمل الشو أمام الكاميرات، أما المواطن فسيسلم نفسه لكل هذا، وأغلب الظن أن الوزيرة لن تتحمل وستقدم استقالتها إذا لم تجد دعمًا حكوميًا كبيرًا، وعمومًا فإن كل ما سبق خيال، ولكن ربما يأتى يوم ونقرأ خبر يقول الوزيرة حامل.

    أسامة سلامة
    للأعلى