وجهة نظر

قالت له: نعم أحبك

2018-01-25 09:25:26 |
  • إيرينى ثابت
  • قال لها وهو ممسك بيدها: "أنا أحبكِ".. وسكتت الممرضة الإنجليزية عن مجاوبة الجندى الفرنسى المصاب الذى لا تعرفه.. ولكنه نظر لها وسألها: "هل تحبيننى؟"، وتقول الرواية إنها لم تملك إلا أن تجيبه إجابة واحدة: "نعم أحبك"..

    هذا مشهد قصير من الرواية الإنجليزية "كفارة".. وتدور خلفية أحداث المشهد أثناء الحرب العالمية الثانية فى إحدى مستشفيات لندن.. الممرضة الإنجليزية من عائلة كبيرة وكل ما تعرفه فى الحياة هو كتابة القصص.. هى تؤلف للناس حياة وأحداثا وحديثا.. ولكن فى تلك الليلة، وللسخرية العجيبة، لعبت الممرضة "تاليس" دورا لم تكتبه لنفسها، وخاضت أحداثا غير متوقعة، واضطرت أن تقول كلاما لم تختر أبدا أن تقوله..

    هل تضعنا الأقدار فى حياة بعضنا البعض وتفرض علينا أدوارا لا نحب القيام بها؟ لقد أتت السيارات المحملة بالجنود العائدين من هزيمة دانكيرك الشهيرة.. آلاف الجنود المصابين بكل أنواع إصابات الحروب ومنهم من هو بين الحياة والموت.. ومنهم أيضا هذا الجندى الفرنسى الذى أصابته قذيفة فى رأسه ففقد جزءا من جمجمته ولكنه لا يعلم حالته.. لا يعرف أنه سيموت بعد ساعات.. مس "تاليس" تتكلم الفرنسية، لذا تم توجيهها للفرنسى لتتحدث معه برقة فى ساعات حياته الأخيرة..

    أصر الجندى الفرنسى أنه يعرفها من قبل، وأنها زارتهم فى بلدتهم الفرنسية وهى صغيرة واشترت من متجر الأسرة "كرواسون لذيذ" من صنع أبيه.. وأن والدته وأخواته أحبونها.. "تاليس" اعترضت فى بداية الحديث وحاولت أن توضح له أنها ليست التى يقصدها.. لكنه لم يفهم ما قالت واستمر يحكى لها عن أسرته وأحلامه وأنهم يتوقعون أنه سيتزوج "تاليس" الصيف المقبل.. لم تذكر الرواية مشاعر الكاتبة التى، فى ذلك الموقف، تنازلت عن دورها الحياتى وقبلت دون تردد مشاعر الجندى الفرنسى الذى كانت قد رأت جمجمته من تحت الضمادات المحكمة قبل أن تعيد لفها حول ما تبقى من رأسه..

    هل كانت الحياة تلقن "تاليس" درسا عن الحرية والاختيار.. وأننا أحيانا لا نختار أدوارنا بل يتم فرضها علينا؟ هل كان على "تاليس" أن تصر على أنها ليست الفتاة المقصودة؟ لماذا اضطرت أن تقول إنها تحبه؟ هل يعتبر كلامها كذبا؟ أم كان موقفا إنسانيا لا ضرر منه بل ربما يساعد إنسانا بين الحياة والموت أن يبتسم ويسعد قبل موته؟ لماذا لم تتمسك بمبادئها وأسلوب حياتها وخضعت لسخرية الأقدار التى جعلتها ممثلة لدور صغير فى حياة الجندى، وهى الكاتبة الكبيرة التى ترسم حيوات أبطال قصصها؟

    المثير للدهشة أن مواقف مثل هذه تعترض طريقنا فى حياتنا الواقعية.. ويصير علينا أن نختار بين الخضوع للدور المفروض علينا من ناحية، أو الإصرار على عدم قبوله مهما كلفنا هذا من تعب وضيق من ناحية أخرى.. والسؤال هو: ماذا ينبغى على الإنسان المتزن أن يفعل؟ هل من المرونة قبول ما تفرضه الحياة علينا وبخاصة إذا كان دورا رحيما؟ وماذا إذا كان دورا ثقيلا يكلف الإنسان فوق طاقته؟ هل يرفض؟ وهل يملك الإنسان فى كل وقت أن يتراجع عما لا يقتنع بالقيام به من أدوار، أم أنه يضطر رغما عن إرادته أن يقوم بدور أب لابن أخيه، أو أم لأبناء الأخت لفترة من الزمن مثلا؟ أن يقوم بدور المعلم لأخته الأصغر ويتحمل مسؤولية نجاحها؟ أو بدور الابن الخاضع الذى يخدم ويبذل محبة لشيخ أو سيدة مسنة ليس والده وليست والدته ولكن الظروف وضعته فى ذلك الموقف؟ أو بدور الممرض لزوجة مرضت فجأة؟ وغير ذلك من الأدوار التى قد تكون بعيدة عن أعمال الرحمة الإنسانية..

    بمجرد ما قالت "تاليس" للجندى الفرنسى إنها "نعم تحبه"، توفى الرجل.. لم تتكلف الممرضة الإنجليزية شيئا، ولكنها من المؤكد تعلمت أكثر من درس.. منها أنها لا تختار كل أدوارها فى الحياة.. وأن قصة الواقع ترسم أحداثا أعجب وأعقد كثيرا من أحداث الروايات التى تكتبها.. وأن عليها أحيانا أن تتخذ قرارا صعبا فى قبول أو رفض الدور الذى تطرحه الحياة.. وأن عليها أن تأخذ ذلك القرار فى لحظة..

    لم تذكر الرواية صحة أو خطأ موقف "تاليس".. ويبقى السؤال الأزلى دون إجابة محددة تصلح لكل المواقف: هل تقبل دورك الذى تفرضه عليك الحياة؟ أم تكتب أقدارك بيدك وتختار أدوارك بإرادتك؟

    إيرينى ثابت
    للأعلى