وجهة نظر

حوارات الطرشان فى سوريا

2018-01-23 14:12:34 |
  • د.أشرف الصباغ
  • تسير كل من روسيا والولايات المتحدة على خطين متوازيين فى الأزمة السورية.

    الخط الأول، عسكرى بامتياز، حيث يعرف كل منهما الخطوات المقبلة للآخر، فيعمل على إعاقتها أو استحداث متجه عسكرى جديد لفتح مساحات جديدة للمناورة وكسب الأرض.. والثانى، هو خط المفاوضات والمشاورات السياسية فى "جنيف" و"أستانا"، حيث يعلن كل طرف أنه حريص على مكافحة الإرهاب ووحدة أراضى سوريا.

    روسيا كرَّست لتقسيم سوريا على المديين المتوسط والطويل بإقامة مناطق ما يسمى بـ "تخفيف التوتر"، والولايات المتحدة استثمرت كل المبادرات الروسية لتعميق هذا التقسيم نظريًا إلى الآن، بل وتدعمه بخطوات عملية بإقامة سلطات حكم محلية فى المناطق التى تسيطر عليها، أو تسيطر عليها قوات المعارضة التابعة لها، وفى الحقيقة، لا حديث فى الوقت الراهن عن الإرهاب، لأن الطرفين أعلنا انتصارهما على "داعش".

    نجحت روسيا فى ترسيخ أقدامها فى سوريا، بمعنى أنها تتواجد الآن على الأراضى السورية وتتصرف كسيد واحد ووحيد هناك، أى أن موسكو هى الآمر الناهى فى سوريا، أو على الأقل فى المناطق التى تسيطر عليها أو يسيطر عليها نظام الأسد، بينما الولايات المتحدة تتصرف كصاحب بيت له مصالح فى كل المناطق والأقاليم والمدن والقرى السورية، وتحرص على إثبات ذلك بشتى الطرق.

    لقد تداركت روسيا حجم الكارثة التى ارتكبتها مع كل من تركيا وإيران بشأن مناطق ما يسمى بـ "تخفيف التوتر"، وأدركت أيضًا أن تركيا استفادت من هذا الأمر بشكل لم يستطع أحد التنبؤ به، بينما الولايات المتحدة تكسب وتربح فى كل الأحوال، سواء عن طريق الحرب أو عن طريق استثمار الأخطاء والتناقضات.. أما الأسد فهو يجلس فى دمشق متفرجًا على صراع بين موسكو وواشنطن لا علاقة له لا بالإرهاب ولا بحياة السوريين، وفى ما يتعلق بإيران، فهى فى حالة فقدان اتزان ولا تدرى ماذا يمكنها أن تفعل فى ظل مشاكلها الداخلية والعقوبات التى تفرض عليها والإحساس بأنها صارت ألعوبة فى يد الروس الذين يحاولون تعديل نتائج مغامراتهم فى مشاورات "أستانا" وما آلت إليه مناطق ما يسمى بـ "تخفيف التوتر".

    إن عمليات عفرين العسكرية التى تقوم بها القوات التركية ضاعفت خلط الأوراق وإعادة التحالفات، وسبقتها منطقة "إدلب" التى أظهرت خلافات وتناقضات مكتومة فى المحور الروسى التركى الإيرانى.

    على هذا الأساس انطلقت العمليات العسكرية التركية فى عفرين لتضع روسيا أمام واقع مرير لا يمكنها فيه أن تناور تركيا أو تواجهها، لقد استفادت تركيا أيضًا من كل التناقضات، وها هو وزير الخارجية الأمريكية ريكس تيلرسون يعرض على أنقرة المساعدة فى إقامة منطقة "تخفيف توتر" فى شمال غرب سوريا بهدف حماية أمن تركيا، بينما روسيا تواصل الصمت، أو فى أحسن الأحوال تدلى بتصريحات دبلوماسية متواضعة، تفاديًا لانهيار محورها المكون من نظام الأسد وإيران وتركيا.

    لقد نجحت الولايات المتحدة فى دق الكثير من الأسافين بين مكونات المحور الروسى الهش أصلاً، ونجحت أيضا فى فك الارتباط بين هذه المكونات، وفكرة فك الارتباط هذه، هى فكرة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب الذى أعلن عنها فى فبراير 2017، وتمكن عبر جملة من الإجراءات العامة من تنفيذها بحرفية شديدة.

    إن روسيا تحاول الآن تعديل ما أسفرت عنه مبادراتها فى "أستانا"، فأعلنت عن مبادرة جديدة حول إقامة مؤتمر ما يسمى بـ"الحوار الوطنى السورى"، وبصرف النظر عن إعلانات روسيا حول أهداف هذا المؤتمر، فقد تم استحداثه لعلاج الخطأ الروسى القاتل الذى كَرَّس لتقسيم سوريا، ومن أجل سحب البساط من تحت أقدام صيغة "جنيف"، لأن روسيا استخدمت أستانا كجسر مع المعارضة السورية المسلحة، والآن تحاول جر الجميع إلى منتجع "سوشى" لتظهر لنا صيغة جديدة لا فرق بينها وبين "جنيف"، وهذا يعنى أن المبادرات والمؤتمرات السياسية ستستمر لوقت طويل، وفى الوقت نفسه تجرى عملية تقسيم فعلية للأراضى السورية.

    كل المؤشرات تؤكد أن مؤتمر ما يسمى بـ "الحوار الوطنى السورى" ولد ميتا، وفى حال القفز على الواقع، فإن هذا المؤتمر الذى سيتحول إلى صيغة جديدة إلى جانب كل من "أستانا" و"جنيف"، سوف يسفر عن كوارث أخرى، ربما عَجَّلَت بتقسيم سوريا، وهنا لن يكون هناك أى معنى للمطالبة برحيل الأسد عن السلطة، وستبدأ مرحلة أخرى لترتيب أوراق الدويلات التى ظهرت عن تمزيق الدولة السورية، أو فى أحسن الأحوال، البحث عن صيغ جديدة لإعطاء العالم انطباع بأنه لم يتم تقسيم سوريا، وإنما جرى تطوير سوريا ومنحها صفة جديدة تضم عدة دويلات بداخلها.

    من الواضح أن وسائل الإعلام الروسية تقوم بأكبر عملية تزوير وتضليل فى السنوات الأخيرة، حيث تستخدم كل الأدوات الممكنة ليس فقط لخداع الرأى العام المحلى والعالمى، بل لخداع روسيا نفسها وساستها ومؤسساتها، بينما وسائل الإعلام الأمريكية، والأخرى التابعة لحلفائها تطرح زوايا أخرى للبلطجة الأمريكية وتصنع واقعًا يفتح للولايات المتحدة آفاقًا أخرى للمناورات الإعلامية التى لا تهتم بروسيا ولا بإعلامها بقدر ما تهتم بالمكاسب الأمريكية الحقيقية على الأرض، والحديث عن الحملات والمناورات الإعلامية يتعلق تحديدًا بمؤتمر سوتشى المزمع عقده فى 29 و30 يناير الحالى، والذى تتوافر فيه كل الأسباب لاستمرار الحرب فى سوريا، وتقسيم الدولة السورية، ومواصلة التضليل الإعلامى الذى تمارسه وسائل الإعلام الروسية، حيث بات مفيدا للغاية لكل من الولايات المتحدة وتركيا.

    لا أحد يسمع أحدًا.. روسيا تكيِّل كل الاتهامات الممكنة للولايات المتحدة، والأخيرة لا تسمع ولا تهتم أصلا، وتواصل مغامراتها المحسوبة بوقاحة وبدقة، تركيا تستثمر كل التناقضات الروسية – الأمريكية لتواصل حملاتها العسكرية الأكثر وقاحة وصلفًا وروسيا تدير وجهها إلى الجانب الآخر، وإيران تصدر أصواتًا غريبة وكأنها بيانات خجولة، أما بشار الأسد يجلس "مرتاحًا" على كرسيه فى دمشق ولتذهب سوريا والسوريون إلى الجحيم، وإيران تراقب وتحاول فك الطلاسم ولكن لا أحد يستمع إليها أو يفتح لها منفذا للتنفس أو الحركة، بينما الأحلام والطموحات الإمبراطورية تتراقص أمامها من جهة، وتدهور الأوضاع الداخلية يقلق مضاجعها من جهة أخرى، إنه حوار طرشان بكل معانى الكلمة يقود إلى المزيد من خلط الأوراق، والمزيد من الضحايا والمشردين والمهاجرين واللاجئين.

    أشرف الصباغ
    إقرأ أيضاً
    روسيا وضرورة تغيير أمريكا 2018-08-14 15:13:45 جوزيه ساراماجو فى نقد الفصام 2018-08-07 13:51:52 البشرية من الفناء إلى التحول 2018-08-01 09:04:02 أسقف إسرائيل العالية 2018-07-24 18:00:12 الخطأ الوجودى لترامب 2018-07-18 09:06:44 السيد الروسى فى جنوب سوريا 2018-07-10 14:01:18 الموقف المصرى فى سوريا وتنوع العلاقات 2018-07-03 16:10:34 قمة بوتين وترامب بين الوهم والخيال 2018-06-27 18:32:48 البطيختان الإيرانية والتركية 2018-06-19 15:16:30 القمة الأمريكية - الكورية الشمالية بحد ذاتها!  2018-06-12 18:15:16 مخاوف إيران من روسيا فى سوريا   2018-06-05 14:44:32 إرادة الجند فى رحاب العاشر من رمضان 2018-05-29 14:02:30 إيران وروسيا ولغة المصالح بعد شروط الولايات المتحدة 2018-05-22 09:54:20 أوهام روسيا حول موقف أوروبا من الاتفاق النووى الإيرانى 2018-05-15 13:12:51 محفوظ بين دوستويفسكى وجوجول 2018-05-08 12:30:50 نجيب محفوظ ومحمد صلاح 2018-05-01 16:02:43 ماذا يمنع روسيا من تسليم «إس 300» لبشار الأسد! 2018-04-24 10:07:11 بوتين والمواجهة مع أمريكا 2018-04-17 13:33:58 الحرب السورية 2018-04-10 11:42:45 حصار الغرب لروسيا وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها 2018-04-03 12:48:49 سوريا ما بعد الافتراضية 2018-03-27 14:40:58 سكريبال ونوفيتشوك وبوتين 2018-03-20 09:27:04 مصير كأس العالم أمام اختبار مواجهات روسية أمريكية! 2018-03-13 11:23:34 ماذا ستفعل روسيا إذا ضربت أمريكا الأسد! 2018-03-06 16:27:24
    للأعلى