وجهة نظر

حليم يوليو ويوليو حليم

2018-01-21 09:12:48 |
  • مؤمن المحمدى
  • مؤمن المحمدى

    يوليو ما اختارتش عبد الحليم لأسباب تتعلق بأنه منافق وبـ يطبل لـ عبد الناصر والثورة، أصلا كله كان مستعد يغنى للثورة وللناصر ولأصغر واحد فى الظباط الأحرار، مش موضوعنا ولا اهتمامنا إذا كان صدق ولا.

    لكن اختيار العندليب له علاقة بالأساس لأنه المناسب لمشروع "الأفندية" أو الطبقة الوسطى اللى كان القلب الصلب لدولة عبد الناصر.

    عصام زكريا عنده كتاب بـ يتكلم فيه بالتفصيل عن الموضوع ده، بس من خلال أفلام عبد حليم، وبالنسبة لى هى نفس الحاجة فـ المزيكا، لما تتأمل أغانى فى الخمسينات، وأوائل الستينات، وتشوف طموحه فى إنه يعمل مزيكا، تناسب الطبقة الجديدة المتعلمة اللى بـ تحلم بـ مناطحة أمريكا وإنجلترا، ومواكبة اللى بـ يحصل فـ العالم، جيل الدكاترة والمهندسين والمحامين والمدرسين والموظفين العموميين، بالذات الموظفين العموميين.

    بس كل ده اتهز فى نص الستينات، المشروع نفسه بتاع يوليو اتهز، ومع إن النظام كان يبان متماسك لدرجة الحديدية، بس هو فـ الحقيقة كان هش، لدرجة إن غنوة من غير تخطيط، اسمها "تحت السجر" لمطرب مش فى خريطة المنافسة، محمد رشدى، أثرت على عرش حليم تأثير ملحوظ، وجت "عدوية" لنفس المطرب، بس لملحن غول المرة دى بليغ حمدى، الغنوتين كلامهم للأبنودى، هددت المشروع فعليا.

    تعمل إيه يا عبحليم؟ تعمل إيه يا عبحليم؟

    الحقيقة الاختيار اللى خده عبحليم كان ذكى جدا، بس ذكاء منفعل، كأنك بـ تلعب شطرنج، فـ تعمل حركة تاكل بيها قطعة، بس تخسرك الدور كله، حليم قرر إن الهجوم خير وسيلة للدفاع، أنا هـ أروح أنافس رشدى فى ملعبه، بس بـ لونى، وبدأ يغنى شعبى!

    تأمل مثلا: "أنا كل ما أقول التوبة" للأبنودى وبليغ نفسهم، 1966 غنوة شعبى شبه اللى بـ يغنيه رشدى، بس مع شغل توزيع فخيم من على إسماعيل، وكلامه مع الأبنودى بإنى عايز أغنى كلام زى اللى بـ تكتبه لـ صاحبك، بس من غير مسامير ومزامير، أنا عبد الحليم برضه!

    كانت البداية إذن، إننا نروح ملعب الشعبى، ونجره لملعبنا، بس يوم بعد يوم، وغنوة بعد غنوة، بقى حليم يروح خطوة ناحية الغنوة الشعبية زى الكتاب ما بيقول، وده مش وحش أو حلو، بس بياخد من رصيد مشروعه، وسمعنا كلنا أغنيات حليم فى أواخر الستينات وأوائل السبعينات: سواح، جانا الهوا، موعود، فاتت جنبنا، اللى هى مالهاش علاقة بـ"أنا لك على طول وأهواك وحلو وكداب".

    لو فكرنا فى جملة بليغ لـ حليم: "شلتك على كتافى"، نلاقيها جملة واعية جدا، معناها إنت كنت صاحب مشروع بـ ينهار، وأنا اديتك حقنة الاستمرار.

    بعد 1973، كان اللى حاصل أكبر من قدرة حليم على الاستيعاب مش الاستمرار، ظهور أحمد عدوية ونجاحه غير الطبيعى، تغير شكل الجمهور وطريقة استقباله للأغانى حتى. وفـ حوار مرة، حليم قال إنه ندمان، لإنه ما اعترضش على أول حد هتف فـ المسرح: "بص شوف حليم بـ يعمل إيه"، لأن ده مش شبهه، ولا شبه مشروعه.

    حليم لما ركن غنوة بليغ "هو اللى اختار" غناها بعدين هانى شاكر، مكنش بس بـ يقرص ودن بليغ، لأ، هو عايز يستعيد مشروعه، من هنا كان التجهيز الطويل لـ "قارئة الفنجان"، وكذلك التكاليف الخرافية للغنوة.

    ولهذا، كانت صدمته فى استقبال الجمهور للغنوة بالطريقة دى، غير عادية، وكانت الجملة اللى بيرددها: "الغنوة عايزة سمع"، "اسمع"، "ما انت لو سمعت هـ تسمع"، وأعتقد إنه فـ اللحظة اللى دفن وشه فـ المنديل خد قرار خطير جدا، بدأ تنفيذه مباشرة بعد الحفلة، إيه هو؟

    بكره بقى

    مؤمن المحمدى
    للأعلى