وجهة نظر

«المجنون» أم «النبى»!

2018-01-11 09:00:32 |
  • إيرينى ثابت
  • "البعض نحبهم لكن لا نقترب منهم.. فهم فى البعد أحلى.. وهم فى البعد أرقى.. وهم فى البعد أغلى.. والبعض نحبهم ونسعى كى نقترب منهم.. ونتقاسم تفاصيل الحياة معهم.. ويؤلمنا الابتعاد عنهم.. ويصعب علينا تصور الحياة حين تخلو منهم"..

    هكذا كتب جبران خليل جبران عن أنواع من الحب فى قصيدة من أشهر قصائده تداولا لدرجة أنها مسجلة بخلفيات موسيقية على اليوتيوب.. ولكنه أيضا كتب ومنذ حوالى قرن عدة مؤلفات بالإنجليزية من أرض المهجر وكان من أشهرها "المجنون" 1918، أى منذ مائة عام.. و"النبى" 1923، والذى حقق مبيعات تصل إلى عشرات الملايين من النسخ حول العالم..

    تذكرت جبران حين قرأت مقالا رائعا عنه فى "الحياة اللندنية" لعبده وازن يتحدث فيه عن تجاهل الدراسات الأكاديمية لجبران بالرغم من انتشار كتبه بشكل كبير وعلى مدى قرن من الزمان.. وقد تناول وازن قصة "المجنون" بشكل خاص بسبب تذكار مئوية نشرها ولأن الجامعة الأمريكية بلبنان قد أقامت مؤتمرا دوليا بهذه المناسبة.. ودعا الأكاديميون إلى اهتمام أكبر وأعمق بجبران كظاهرة متميزة.. مما جعلنى ألوم نفسى لتخاذلى عن القيام بتلك الدراسة الهامة..

    "المجنون" بداية جيدة لجبران ولكن الشخصية الرئيسية فيها أى شخصية المجنون الذى ينطق بالحكم والأمثال هى من ابتكار نيتشه.. المجنون الذى هو أعقل العقلاء وينطق بالحق فيراه الناس مجنونا.. وقد أخذ جبران الشخصية وطورها ورسم تفاصيلها بما يناسب كتابه، وأخذ مشهد ظهور مجنون نيتشه فى السوق وتزاحم الناس حوله، ثم طوره أيضا بخياله وانطلق بعد ذلك بالشخصية وقصصها.. وهذا فى حد ذاته مدخل لبحث يقارن بين الكاتبين والشخصيتين والفلسفتين.. وفى رأيى أن أفضل ما ابتكره جبران فى شخصية المجنون هو أنه صحى يوما من النوم فوجد أن أقنعته السبعة قد اختفت.. ونزل السوق بوجهه الحقيقى دون أقنعة فاتهمه الجميع بالجنون..

    "النبى" كتاب أكثر نضجا من "المجنون".. وهو خلاصة خبرات جبران فى الحياة والمعرفة والثقافة وملاحظة الناس وإن كانت حياته كلها لم تصل إلى نصف قرن ولكنه قد بدأ التفكير فى ذلك الكتاب منذ طفولته.. وقد نال كتاب "النبى" الحظ الأوفر فى الانتشار العالمى على مدى العصور وذلك لأنه يخاطب النفس البشرية مهما كانت وأينما وجدت بعيدا عن انتماءات الزمان والمكان.. ولأنه لا يخاطب أصحاب عقيدة بعينها بل يصلح لكل أصحاب العقائد والمعتقدات.. وقد تأثر به سياسيون من أمثال انديرا غاندى من الهند وعقائده وجون كينيدى الأمريكى.. كما تأثر به أصحاب الفنون من أمثال فرقة البيتلز الإنجليزية إذ كان الولع بالكتاب قد علت موجته فى الستينيات ومن قبلها فى الثلاثينيات..

    العجيب بالنسبة لى أن القرن الواحد والعشرين يشهد قراءات لا حصرية لكتاب "النبى".. لدرجة أن البى بى سى كتبت تحقيقا كبيرا عن الكتاب فى عام 2012.. وامتدحت مأثورات الكتاب واقتباساته التى تصلح لكل إنسان.. وانتقدت عدم اهتمام الغرب الكافى بأدب جبران فى الدوائر الأكاديمية، تماما كما انتقده وازن فى مقاله على مستوى الأكاديميين العرب.. وأوضح تحقيق البى بى سى أن كتابات جبران بالغة الحكمة والإنسانية وداعية للسلام والتصالح مع النفس..

    وهل يوجد أصدق من وصف المحبة فى كتاب "النبى"؟

    "المحبة لا تعطى إلا نفسها، ولا تأخذ إلا من نفسها. المحبة لا تملك شيئا، ولا تريد أن يملكها أحد، لأن المحبة مكتفية بالمحبة"..

    إنها دعوة لنا جميعا لإعادة اكتشاف ودراسة جبران نثرا وشعرا.. بالإنجليزية وبالعربية.. ما هى فلسفته، وكيف رأى المفاهيم الحياتية ودامت رؤيته على مدى مائة عام.. وكيف رأى الحب والمحبين.. وكيف رأى أن الحب عطاء فقط فأكمل قصيدته:

    "والبعض نحبهم لأن مثلهم لا يستحق سوى الحب.. ولا نملك أمامهم سوى أن نحب.. فنتعلم منهم أشياء جميلة.. ونرمم معهم أشياء كثيرة.. ونعيد طلاء الحياة من جديد.. ونسعى صادقين كى نمنحهم بعض السعادة.. والبعض نحبهم لكننا لا نجد صدى لهذا الحب فى قلوبهم.. فننهار وننكسر.. ونتخبط فى حكايات فاشلة.. فلا نكرههم.. ولا ننساهم.. ولا نحب سواهم.. ونعود نبكيهم بعد كل محاولة فاشلة"..

    إيرينى ثابت
    للأعلى