وجهة نظر

هى والعام الجديد

2017-12-28 09:38:17 |
  • إيرينى ثابت
  • صارت أيام الأعياد بالنسبة لها صداع لا ينتهى إلا بقدوم يوم ما بعد العيد.. أى عيد.. فهى تتوق إلى ممارسة طقوس العيد كما كانت تفعل وهى فتاة أو شابة فى بيت أبيها.. أما الآن وبعد أن صارت زوجة ثم أمًا، فقد صارت هذه الأمنية شبه مستحيلة..

    ها قد هل الأسبوع الأخير فى العام، ويستعد العالم كله لاستقبال عام ميلادى جديد.. وتحتفل الأسر المصرية بالعام الجديد بأشكال مختلفة ومظاهر متباينة.. أما وقد احتفلت مدرسة ابنتها وابنها بالعام الجديد مبكرًا قبل الامتحانات، ووضعت المدرسة شجرة كبيرة مزدانة بالأنوار والتماثيل الصغيرة، فقد صار لزامًا عليها أن تزين الشجرة الصناعية الخضراء التى تلفها كل عام بعناية وتخزنها للعام الجديد.. إذ أن ندى، ابنتها الصغيرة، لا تتنازل أبدًا عن الشجرة..

    وحيث أنها وأسرتها تقيم فى شقة بمنزل أسرة زوجها بحى مصر الجديدة، فإن هناك عددًا كبيرًا من الشباب الذين يلبسون بابا نويل ويسيرون فى الشارع أو يراهم يوسف ابنها فى السيارات وخاصة وهم واقفين بالسيارة فى إشارة المرور.. ويصرخ يوسف ذو الخمس سنوات: "مامى بصى.. سانتا سايق العربية اللى جنبنا.. هو ليه مش طاير؟ هو رايح يودى الهدايا للولاد الصغيرين؟".. فتهمس ندى فى أذن مامى قائلة: "هو احنا إمتى هنقول ليوسف إن حضرتِك اللى بتجيبى الهدايا اللى بنلاقيها عند الشجرة؟ هو هيفضل فاكر إن سانتا هو اللى بيجيب الهدايا لحد إمتى؟ أنا عارفة من 3 سنين بحالهم.. يعنى عرفت وأنا أصغر من يوسف بسنة!!".. وتجيب: "لما يعرف لوحده يا ندى.. مش لازم نضيع له حلمه!!" فتنظر لها ندى بعينين واسعتين وحملقة متسائلة فى نفسها: "هى مامى بتقول إيه؟ يعنى إيه نضيع حلمه؟ أومال يفضل عبيط كده؟".

    عليها إذن أن تذهب بعد الخروج من عملها الذى لا ينتهى قبل الثالثة لتشترى هدايا بابا نويل.. ندى طلبت كوفيه، وبينى بلون أحمر حتى ما تتماشى مع ألوان الـ"New Year".. أما يوسف فقد سألته مامى عدة مرات عن الـ"wish" التى طلبها من بابا نويل، تقصد سانتا، ولكنه قال لها إن هذا سر بينه وبين سانتا.. وكانت ندى هى الإنقاذ السريع الذى عرف من يوسف بسرية تامة أنه يريد لعبة جديدة ما للـ"play station"!! أى نوع من المحال التجارية يبيع شرائط هذه اللعبة؟ كانت معلوماتها ضعيفة فى هذا المجال لأنها لم تقم بهذه العملية من قبل.. إذ تولى بابى شراء الـ"play station" ومعه شرائط بعض الألعاب فى عيد ميلاد يوسف الفائت ولكنه ملّ منها ويريد ألعابا جديدة.. لا بد أن تسأل مامى زميلتها فى العمل لأن لها ابنين وتعرف أماكن ألعاب الأولاد جيدًا.. أما ملابس البنات وهدية ندى فأمرها سهل..

    عادت فى الثامنة مساء ومرّت على والدتها فى مدينة نصر وأخذت ندى ويوسف من باب البيت.. "يا بنتى ادخلى ارتاحى خمس دقايق".. "مفيش وقت يا ماما.. عندنا مدرسة بكرة.. لازم نراجع الـ"Homework" وبعدين نتعشى وننام عشان نصحى للطاحونة!! باى.. تصبحى على خير.. ادعيلنا يا ماما".. "ربنا معاكى يا بنتى"..

    بمجرد أن دار المفتاح وفُتح باب البيت، صرخت ندى بغضب: "المفروض نعمل الشجرة النهارده".. أجابت مامى: "لسه أسبوع على راس السنة يا حبيبتى".. "هى بتتعمل النهارده مش ليلة راس السنة".. قالت مامى وهى تكاد تبكى: "طب خليها بكرة يا ندى".. "ما ينفعش".. وهكذا بدأت مامى تغضب غضبة المساء، وهى تختلف قليلًا عن غضبة الصباح التى يجتاحها الصراخ.. انقلب وجهها.. وكأن حديث الشجرة لم يدر أصلًا مع ندى.. وقالت بهدوء وحزم: "ادخلوا غيّروا هدومكم فى دقيقة وهاتولى الواجبات اللى حليتوها عند تيتة أشوفها"..

    تتمتع ندى بـ"common sense" عالى.. وتفهم أن مامى وصلت لمرحلة اللا عودة.. وأن من الأفضل الطاعة فى مثل تلك الحالات بدلًا من نرفزتها وغضبها الذى قد يصل لتأخير إقامة الشجرة إلى ليلة رأس السنة.. وبالتالى ذهبت القائدة الصغيرة للطاعة وتبعها العسكرى يوسف الذى لا يهتم كثيرًا بموضوع الشجرة لكنه ينتظر كارثة رؤية مامى لـ"Homework" العربى الذى كتبه يوسف بإهمال شديد جدًا.. وعاد الصغيران يحملان واجباتهما، ولكن مامى المسكينة كانت قد ذهبت للمطبخ لإعداد ساندويتشات للعشاء وخرجت بعد قليل تحمل الطبقين وعليهما الطعام.. "كلوا لحد ما أشوف الواجبات"..

    لما ذهب يوسف للسرير كان قد شعر بأن أكبر هموم اليوم قد انزاح عن كاهله.. فقد نسيت مامى أن تراجع واجب العربى بالذات.. الحمد لله.. صحيح غدًا سوف تكلمها الـ"ميس" وتخبرها بالواجب الملخبط.. ولكن طالما اليوم مر بسلام، فلننم وغدًا يحلها الحلّال.. أما ندى فقبل أن تذهب للنوم، وبعد أن وجدت مامى أن كل واجباتها قد تمت كتابتها بشكل أكثر من ممتاز.. فقد نظرت لها نظرة القائد المنتصر وقالت لها بلهجة قيادية آمرة ولا تخل من الأدب: "طيب بما إننا هنعمل الشجرة بكرة بإذن الله، ما تنسيش يامامى إن النور بتاع الشجرة ضرب السنة اللى فاتت وما عندناش نور.. فياريت حضرتك تفتكرى بكرة وحضرتك راجعة من الشغل تشترى لنا نور جديد.. وبالمرة شوية "ornaments" جديدة على ذوق حضرتك.. تصبحى على خير يا مامى".. وكالجندى المطيع تبعها يوسف قائلًا: "تصبحى على خير يا مامى"!!

    جلست مامى على كنبة أنتريه الـ"living" منهكة وقد صارت الساعة العاشرة مساء وما زال بابى فى العيادة!! لماذا لم تتذكر موضوع النور؟ هل ستذهب غدًا مرة ثانية بعد الشغل لشراء مستلزمات الشجرة؟ وهل تقول لـ"ميس" الـ"باص" أن ندى ويوسف هيروحوا تانى عند تيتة؟ وماذا إن لم تشترى المطلوب؟ لقد وعدت ابنتها بإقامة الشجرة غدًا.. يا للفرحة التى لا تتم.. كانت سعيدة بأنها اشترت هدايا سانتا اليوم.. واعتقدت أن مشاوير الشراء انتهت.. ولكن!!

    استغرقت فى غيبوبة لا هى نائمة ولا هى مستيقظة.. استدعت رأس السنة منذ عشر سنوات.. أيام اللا مسؤولية.. كانت تقيم الشجرة فى بيت أبيها بمساعدة أختها الصغرى ولكن لم تكن هناك ندى لتأمرها تارة وتشير عليها تارة أخرى بوضع هذا هنا وهذا هناك.. لم تفعل شيئا حينئذ إلا بمزاج.. ودون أن تكون مضطرة.. حتى الصور بجانب الشجرة وقتها كانت مختلفة.. ترسم نفسها وضحكتها قبل التقاط الصورة.. وفى يوم رأس السنة تصحو لتجد هدية رقيقة لا تحت الشجرة بل على طرف السرير فتفتحها وتسعد بها وتذهب لتقبل رأس بابا وماما، كانوا بابا وماما فى زمنها، مش بابى ومامى.. وتتذكر أنها كانت فى ليلة رأس السنة تحضر كشكول مذكراتها اليومية الذى كتبته طوال العام وتقرأ الصفحات التى عليها ماركر بمبى.. لأن تلك هى الأيام التى كانت بالنسبة لها بمبى فى هذا العام.. وتضحك بصوت عال وهى فى السرير تحت البطانية، فتأتى أختها بسرعة وتندس بجانبها لتقرأ هى لها ما تختاره من الذكريات المضحكة والتى قد تكون أختها جزءا منها.. ولما تعلو ضحكاتهما الهستيرية، تصرخ ماما وينهرهما بابا فى صوت واحد: الجيران يا بنات!!..

    صحت من غفوتها على صوت مفتاح الباب.. ودخل بابى منهكًا هو الآخر ليسألها كيف كان يومها.. كانت تود أن تحكى له ولكن ليس لديها من الطاقة ما يكفى إلا لقول عبارة واحدة قصيرة جدًا: "الحمد لله.. وأنت؟".. أجاب بعد أن تثاءب، "الحمد لله.. الحمد لله"..

    إيرينى ثابت
    للأعلى