وجهة نظر

روسيا غيَّرت قواعد اللعبة ووضعت الجميع أمام الأمر الواقع

2017-12-26 15:14:47 |
  • د.أشرف الصباغ
  • بعد زيارة لرئيس الروسى إلى قاعدة "حميميم" الروسية فى سوريا، وإعلانه من هناك عن سحب جزئى للقوات الروسية، كان من المتوقع أن تعيد روسيا إعادة تشكيل ونشر وتموضُع قواتها، وإعادة ترتيب أوراقها، بما يتلاءم مع مكاسبها العسكرية.

    لم توجه روسيا أى رسائل إلى إيران، بأن الأخيرة تسير على ما يبدو وفق السيناريو الروسى المرسوم لسوريا وللمنطقة. ولكن ذلك ليس مبررا للاطمئنان على العلاقات بين موسكو وطهران إذ تتعرض الاثنتان إلى عقوبات غربية قاسية تؤثر عمليا على أوضاعهما الداخلية وتعزلهما جزئيا عن المحيط الدولى. ومن ثم، فمن الممكن أن تظهر تصدعات خفيفة بين االبلدين، وهو ما تعمل عليه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى بشكل تدريجى وبطرق وأدوات مختلفة.

    الرسالة المهمة التى وجهتها روسيا كانت فى اتجاه تركيا التى تراوح بين الأولى وبين كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى، وتلوِّح بأوراق مختلفة للطرفين الأخيرين من قبيل الضغط والابتزاز. والأهم من كل ذلك أنها باتت متواجدة عسكريا فى سوريا استنادا إلى موافقة روسية على الرغم من التصريحات الحادة التى يدلى بها جميع مسؤولى نظام بشار الأسد، ومطالبتهم إياها بالخروج من سوريا. ولكن موسكو وضعت بعض النقاط على الحروف لإفهام أنقرة أن وجودها مؤقت فى سوريا، وأن الحضور التركى على الأراضى السورية له نهاية، لأنه مرتبط بمناطق وقف التصعيد التى تم التوافق عليها فى صيغة "أستانا". أى أن روسيا يمكنها أن تطلب من تركيا إجلاء قواتها من إدلب ومن مناطق أخرى فى شمال سوريا، عندما ترى أن ذلك قد أصبح مناسبا وأن وجود القوات التركية يفاقم الأوضاع فى سوريا، أو يشكل خطرا على نظام دمشق. وهذا الأمر مرتبط بأن مناطق ما يسمى بـ "تخفيف التوتر" قد تحدد العمل بها لمدة 6 أشهر قابلة للتمديد استنادا إلى التطورات على الأرض. وبالتالى، قال مبعوث الرئيس الروسى إلى الشرق الأوسط ميخائيل بوجدانوف إن "هذا يعنى أنه ومع انتهاء الحاجة لمناطق تخفيف التوتر، ستنتهى بشكل تلقائى جميع الإجراءات المرافقة التى يتخذها الضامنون روسيا وتركيا وإيران".

    أمر آخر مهم، ألا وهو أن البرلمان الروسى صادق على توسيع وتحديث قاعدة "طرطوس" البحرية العسكرية الروسية فى سوريا. أو بمعنى أوضح تحويل هذه القاعدة التى كانت تعمل وفق ظروف معينة وبشكل محدد إلى قاعدة عسكرية روسية حقيقية على البحر الأبيض المتوسط. غير أن المهم هنا هو أن روسيا ستتعامل مع قاعدتى "حميميم" و"طرطوس" بمنطق آخر تماما. إذ أعلن وزير الدفاع الروسى سيرجى شويجو أن روسيا بدأت بتشكيل مجموعة قوات دائمة فى هاتين القاعدتين، وتمت بالفعل المصادقة على هيكل وقوام كوادر القاعدتين الروسيتين الأساسيتين فى طرطوس وحميميم. ما يعنى أن روسيا تعزز حضورها بقوة فى الشرق الأوسط، باعتباره منطقة غير هادئة فى الوقت الراهن، ما يستدعى اتخاذ إجراءات ذات طبيعة خاصة عسكريا وأمنيا.

    ببساطة، إن قاعدة "طرطوس" باتت مرتكزا يوسِّع إمكانيات الأسطول الروسى الذى أصبح له وجود دائم فى البحر المتوسط، بينما الوجود العسكرى الجوى والبرى واضح فى قاعدة "حميميم". أسطولنا. أى أن فرع الأسطول البحرى الحربى الروسى فى البحر المتوسط، على شواطئ سوريا، أصبح يضم حوالى 10 سفن وغواصات. وبصرف النظر عن أن هذه القوة بسيطة وقليلة بمقارنتها بالقوة البحرية الأمريكية أو البريطانية أو قوة حلف الناتو فى هذا البحر، إلا أنها كافية لتحقيق مصالح روسيا على المديين القريب والمتوسط.

    روسيا فى واقع الأمر، بعثت برسالة مطاطة وفضفاضة، تتمل الكثير من الأوجه، إلى الرئيس التركى. وبعثت أيضا برسالة مهمة إلى الولايات المتحدة، مفادها أن الوجود الروسى دائم فى سوريا إلى 60 عاما مقبلة، وقد يمتد لأكثر من ذلك، بينما الوجود الأمريكى هناك غير شرعى وغير قانونى، وعلى الولايات المتحدة أن تخرج من سوريا. وقد أعربت موسكو عن رفضها جميع تبريرات واشنطن لبقاء قواتها فى سوريا، وخصوصا بعد الإعلانات والتصريحات بشأن القضاء على "داعش". وبطبيعة الحال، أعلن جميع الأطراف (روسيا والأسد وإيران وتركيا والولايات المتحدة) عن القضاء على "داعش". ولكن هذه الأطراف استدركت بسرعة، وأعلنت أنه لم يتم القضاء على الإرهاب، وأن الإرهاب يمكنه أن يعود فى أى لحظة. وبالتالى، أعطى كل طرف لنفسه مسوغا للبقاء فى سوريا.

    من الواضح أن روسيا شرعت عمليا فى تغيير قواعد اللعبة فى الشرق الأوسط. بل ووضعت جميع الأطراف أمام أمر واقع، تم فرضه بصرامة. ولكن هذا لا يعنى أن هذا الأمر الواقع قد يستمر كشكل وحيد لتسوية الأمور فى سوريا، لأن الولايات المتحدة تعمل فى اتجاهات أخرى تتقاطع أحيانا مع السيناريوهات الروسية، وتتماس معها فى أحيان أخرى، وتتناقض بشدة معها فى أحيان ثالثة. هذا إضافة إلى التناقضات الكامنة بين موسكو وأنقرة، وبين الأولى وطهران أيضا. وبالتالى، نجد أنفسنا أمام مشهد يمهد بقوة لتقسيم سوريا، وسيبقى الوضع كما هو عليه لفترة طويلة، إلى أن يتم إيجاد صيغة معين لتحريكه فى اتجاهات من الصعب الحديث عنها، لأنها تعتمد بالدرجة الأولى على موازين قوى إقليمية ودولية، ومتغيرات يمكنها أن تقلب المعادلة رأسا على عقب. ولذلك لا يمكن أن نندهش من تعجل روسيا فى عقد مؤتمر ما يسمى بـ "الحوار الوطنى السورى" فى سوتشى، ومحاولة ضمه إلى صيغة أستانا، ليتم تهميش صيغة جنيف أو الإبقاء عليها كآلية معطَّلَة. وكذلك التعجل فى عقد صفقات وتوقيع اتفاقيات مع بعض دول الخليج وشمال إفريقيا لضمان مساحات متباينة من أجل المناورة لاحقا. إضافة إلى استغلال كل التناقضات الممكنة، سواء بين منافسيها أو بين حلفائها، أو بين المنافسين والحلفاء.

    أشرف الصباغ مقالات أشرف الصباغ روسيا قاعدة حميميم سوريا
    إقرأ أيضاً
    روسيا وضرورة تغيير أمريكا 2018-08-14 15:13:45 جوزيه ساراماجو فى نقد الفصام 2018-08-07 13:51:52 البشرية من الفناء إلى التحول 2018-08-01 09:04:02 أسقف إسرائيل العالية 2018-07-24 18:00:12 الخطأ الوجودى لترامب 2018-07-18 09:06:44 السيد الروسى فى جنوب سوريا 2018-07-10 14:01:18 الموقف المصرى فى سوريا وتنوع العلاقات 2018-07-03 16:10:34 قمة بوتين وترامب بين الوهم والخيال 2018-06-27 18:32:48 البطيختان الإيرانية والتركية 2018-06-19 15:16:30 القمة الأمريكية - الكورية الشمالية بحد ذاتها!  2018-06-12 18:15:16 مخاوف إيران من روسيا فى سوريا   2018-06-05 14:44:32 إرادة الجند فى رحاب العاشر من رمضان 2018-05-29 14:02:30 إيران وروسيا ولغة المصالح بعد شروط الولايات المتحدة 2018-05-22 09:54:20 أوهام روسيا حول موقف أوروبا من الاتفاق النووى الإيرانى 2018-05-15 13:12:51 محفوظ بين دوستويفسكى وجوجول 2018-05-08 12:30:50 نجيب محفوظ ومحمد صلاح 2018-05-01 16:02:43 ماذا يمنع روسيا من تسليم «إس 300» لبشار الأسد! 2018-04-24 10:07:11 بوتين والمواجهة مع أمريكا 2018-04-17 13:33:58 الحرب السورية 2018-04-10 11:42:45 حصار الغرب لروسيا وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها 2018-04-03 12:48:49 سوريا ما بعد الافتراضية 2018-03-27 14:40:58 سكريبال ونوفيتشوك وبوتين 2018-03-20 09:27:04 مصير كأس العالم أمام اختبار مواجهات روسية أمريكية! 2018-03-13 11:23:34 ماذا ستفعل روسيا إذا ضربت أمريكا الأسد! 2018-03-06 16:27:24
    للأعلى