وجهة نظر

لم تعد قريتى

2017-12-25 08:21:06 |
  • أحمد سليم
  • فى سنوات الطفولة كانت قريتى هى عالمى الكبير، كان الخروج منها مرتبطًا بمناسبات أو زيارات محددة تُعد على أصابع اليد كل عام.

    كان بالقرية مدرسة ابتدائية ومسجدان وزاوية وكتّاب و4 بقالين وتاجرى حبوب ومركز شباب بسيط فى أحد منازل القرية، وملعب يستخدم جرنًا لدرس القمح وملعبًا للكرة باقى العام.. كنا نعرف أبناء القرية ونحفظهم، نلهو خلف مجذوب القرية ونخاف من سماع صوت جرس حنطور العمدة ونحنحة أستاذنا الشيخ أثناء مروره بالشارع.. كنا نخاف المقابر والمارد والطاحونة ونعشق شم النسيم لنشترى وردة ونعناعًا أخضر.. وننتظر مولد سيدى خلف من العام إلى العام فنسهر حتى قرب الصباح مع المنشدين.. كانت ملاهينا أرجوحة العيد ولعبة الحصان الخشبى وكنا نسهر ليلة الوقفة بجوار صانع الأحذية أو الترزى اللذين يصران دائمًا على أن نتسلم ملابسنا وأحذيتنا ربما صباح العيد.. كنا نحتفظ بذكريات عديدة ويومية.. هنا نحتفظ بذكريات عديدة ويومية.. هنا كانت عصارة القصب نقف على العصارة ننتظر كوب عصير القصب أو نشترى أعواده..

    من صلاة الفجر إلى شواطئ الترع والطرق بين الحقول يحمل الطلاب الصغار كتبهم يذاكرون وهم يتنقلون بين أشجار التوت وحقول الفول والخس.. كان أقل شىء يجعل السعادة تسكن قلوبنا قبل وجوهنا وكانت قروش قليلة لإسعاد مجموعة من الطلاب أو الشباب.. أكتب عن هذه الذكريات بعد أن عدت من قريتى التى أصبحت شيئًا آخر غير كل ذلك.. لم تعد هناك أشجار للتوت وضاعت مساحة كبيرة من أراضى القرية لتتحول إلى مبانى خرسانية.. تحول شارعنا إلى شبه سوق لا يوجد منزل إلا وبه محل.. تجولت فى القرية فوجدت بها أكثر من مائة محل تجارى ما بين مينى ماركت ومحلات للمحمول ومحلات للملابس التركية ومحلات تبيع طعام القطط والكلاب ومخابز ومعارض للأثاث الصينى.. قريتى التى كانت تأكل من إنتاج حقولها وتستطيع الأم فى منزلها أن تجهز لك وجبة من الدواجن أو اللحوم فى دقائق وخبز ساخن وجبن طازج وحليب طبيعى أصبحت تلك الأم الأن تشترى اللانشون لأطفالها والخبز من مخبز القرية أو المدينة والحليب من المينى ماركت والجبن المعلب بمختلف أنواعه.. تجولت بأطراف قريتى.. عشر مقاهى كبيرة منها ثلاثة على أرض ترعة قمنا بتغطيتها منذ عشرين عامًا لنحولها إلى حديقة للأطفال ومرت السنون لتتحول إلى مقاهى تباع فيها المخدرات علنًا على بعد أمتار من نقطة الشرطة.

    لم تعد قريتى تنتج ألبانًا أو أقطانًا أو فواكه.. تحولت إلى قرية مستهلكة ومن كثرة انتشار المحال بها كان سؤالى لأحد الأقارب إذا كان هؤلاء كلهم باعة فمن يشترى!!!

    فى صلاة الفجر لم يمتلئ المسجد، فالساهرون بالمقاهى وأمام المحلات ناموا منذ ساعة ولم يستطعوا الاستيقاظ.. والفلاح لم يعد يمتلك جاموسًا أو بقرًا يربيه فهو يذهب إلى الحقل بتروسكل أو سيارة قديمة، وأصبح مشهد عودة الفلاح من حقله فى المغرب نادرًا، والأندر منه أن تجد فلاحين من الأصل.. مسخت ملامح القرية فمنازلها أصبح ارتفاعها يتعدى الأربعة والخمسة أدوار وسكن بها غرباء من المدينة لرخص إيجار منازلها، وأغلق الكتّاب بها، وتحول إلى محلات لألعاب الكمبيوتر.. المدرسة أصبحت أربعة مدارس، وكلهم لا توجد بهم مكتبة كمكتبة مدرستنا القديمة.. مركز الشباب أصبح يمتلك ملاعب مغطاة بالنجيل الصناعى وأصبح، لدينا ملاعب أخرى على أرض زراعية.. المساجد أصبحت عشر مساجد لا يصل عدد مرتاديها إلى عدد مرتادى المسجد الكبير فى زمانه، فقد المسجد أهم صفة له وهى الجامع الذى كان يجمع كل أبناء القرية فنعرف من مرض ومن سافر ومن عاد من صفوف الصلاة..

    تغيرت ملامح قريتى، فلم يعد اللقاء بين العائلات فى المنازل بل تحول الشباب إلى المقاهى والأسر إلى أندية المدينة ففقدنا روح الألفة التى تسكن قريتنا.. نعم تقدمنا.. نعم أصبح أمام كل منزل سيارة أو اثنتان.. نعم تخرج أبناء القرية من الجامعات وتحول أغلبهم إلى الجلوس على المقهى ينتظرون واسطة لتوفر لهم فرصة العمل على مكتب فى إحدى دواوين الحكومة..

    تغيرت القرية فتغيرت مصر كلها.. تحولت القرية إلى مستهلكة فأصبحت الدولة تستورد كل شىء بدءًا من اللب وحتى زرار القميص.. بنينا المنازل فوق الحقول فاستوردنا الملابس من الصين وتركيا وحتى عجينة الطعمية، ودخلت القرية علبة الفول الأمريكى المستورد.

    لا نعادى التقدم، ولكن نأمل أن تعيدوا لنا قريتنا القديمة الهادئة.. لم تكن منتجعًا ولكنها كانت قرية جميلة ترى فيها القمر الذى أختفى هو الأخر من سمائها.. نرى فيها الفلاحة التى تعلم أبناءها وتحرص على أخلاقهم وقيمهم.. نرى فيها رجل الدين المتسامح والمدرس الذى يتأبه طلبته ويعرفهم بالاسم.. نرى الأب الذى يلتف حوله الأبناء مساء كل يوم فيعرف أين كانوا وماذا فعلوا؟؟..

    أعيدوا لنا طبلية الغداء وسهر الليالى وقعدة المصطبة فى القمراية، أعيدوا لنا قريتنا نعيد لكم أشياء كثيرة سرقها منا ومنكم الزمن ودعاوى التقدم..

    أحمد سليم
    للأعلى