وجهة نظر

الفيتوهات الأمريكية والروسية العجيبة

2017-12-19 10:34:01 |
  • د.أشرف الصباغ
  • استخدمت الولايات المتحدة حق الفيتو ضد مشروع القرار المصرى بشأن فلسطين. وفى الحقيقة، فمشروع القرار الذى قدمه مندوب مصر فى هذه المنظمة الدولية، مشروع متوازن للغاية.

    المشروع المصرى أكثر معرفة بتفاصيل وحدود القضية الفلسطينية، ولكن يبدو أن واشنطن بدأت باعتماد إجراءات أكثر قسوة وصرامة و"بلطجة" لحل الأزمات الدولية.

    لقد استخدمت الولايات المتحدة حق الفيتو 43 مرة خلال 70 عاما لحماية عصابة صهيونية فى فلسطين. وبطبيعة الحال، تعمل مثل هذه الإجراءات على إضعاف ليس فقط الأمم المتحدة ومجلس الأمن، بل وأيضا القانون الدولى ومنظومة العلاقات الدولية التى تحكم المشهد الدولى.

    هذا الفيتو الـ43 قد يكون سببا للتأمل فى ما آل إليه حال المنظمة الدولية ووضع القانون الدولى الذى أصبح مثيرا للشفقة والسخرية فى آن واحد. ولا يمكننا هنا أن نتجاهل أو ننسى أن الولايات المتحدة بالذات هى التى عطَّلَت انتخاب بطرس غالى لفترة جديدة كأمين عام للأمم المتحدة، بسبب أنه لم ينهض لتنفيذ بعض الأمور التى كانت واشنطن ترغب فى تمريرها، وتبرير بعض الإجراءات التى كانت الولايات المتحدة وحلفاؤها يرغبون بتبريرها فى العراق.

    إن صراع "الفيتوهات" فى الأمم المتحدة ومجلس الأمن يكشف عن حالة من "الفساد السياسى الدولى" و"البلطجة" التى تمارسها الدول الخمس دائمة العضوية فى مجلس الأمن الدولى. بينما الضحية، هى الشعوب المغلوبة على أمرها، والتى أصبحت مجرد أدوات سواء للعصابات أو الأنظمة الفاشية التى تحكمها، والتى تحميها الفيتوهات الأمريكية، والروسية أيضا. فروسيا هى الأخرى استخدمت حق الفيتو 11 مرة خلال 6 سنوات لحماية نظام فاشى فى سوريا.

    الخطير فى الأمر أن الولايات المتحدة تستخدم الفيتو لحماية عصابة، تحت دعاوى ومزاعم تم التأسيس لها وتكريسها كحقائق، ومن ثم سن القوانين من أجل تجريم من يقترب من تلك الدعاوى والمزاعم. وبطبيعة الحال، لا تنسى هذه الدول أن تتحدث فى مسوغات دفاعها، حقوق الإنسان. وفى المقابل تفعل روسيا نفس الشئ مع نظام فاشى تحت دعاوى ومزاعم حقوق الإنسان أيضا وحرية السوريين وتفادى تقسيم سوريا.

    إننا أمام معادلة خادعة ومثيرة للأسى والأسف والسخرية. والأكثر خطورة، أنه عندما نسمع أن دولة من الدول الكبرى، وبالذات الدول الخمس دائمة العضوية فى مجلس الأمن، تدعو لتعديل مواثيق الأمم المتحدة أو إجراء تعديلات وتغييرات ما على هيكلها، نكتشف أن هذه الدعوات ليست بسبب "البلطجة السياسية الدولية" أو من أجل الحديث عن المصالح الحقيقية للشعوب وما تعانيه من فقر وفساد وقمع واستبداد وعنصرية واحتلال، وإنما بسبب وجود بعض الصعوبات والعوائق القانونية التى لا تسمح لهذه الدولة أو تلك بالمزيد من "البلطجة" واستعراض العضلات، وتمرير القوانين والقرارات التى تضر بالكثير من الشعوب.

    إنهم يسمون مثل هذه السلوكيات والتصرفات "المعايير المزدوجة". ولكن هذه التسمية تترجم فى الأدبيات الشعبية والجماهيرية إلى "البلطجة" عموما، و"البلطجة السياسية الدولية" على وجه الخصوص. وهنا نصل إلى الأخطر الذى يتمثَّل فى ازدواجية معايير الدول أو الشعوب المغلوبة على أمرها، وتماهيها مع جلديها، وتشرذم نخبها، واعتمادها المنطق المقلوب أو المعوج لطرح قضاياها.

    لقد حددت المؤتمرات الصهيونية فى السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر بقيادة تيودر هرتزل ملامح الدولة "الصهيونية". وفى عام 1917 أعلن بلفور عن وعده التاريخى بإنشاء وطن قومى لليهود فى فلسطين. وظلت الوعود، وعودا.. والملاح، ملامح، إلى أن انتهت الحرب العالمية الثانية، وانتفض الاتحاد السوفيتى مطالبا بإقامة دولة إسرائيل لأسباب تخص سياسات وتوجهات موسكو السوفيتية آنذاك. ولم يتراجع الاتحاد السوفيتى أمام رفض الولايات المتحدة والدول الأخرى عن مطلبه الغريب، إلى أن وافقت هذه الدول فى نهاية المطاف، وتم إعلان دولة "إسرائيل". وجرت مياه كثيرة فى السياسة الدولية خلال السنوات التى أعقبت ذلك، وتبدَّلَت التحالفات وانعطفت السياسات والمصالح بحدة، ولكن دولة "إسرائيل" بقيت كأمر واقع، لدرجة أنها باتت تحظى بحصة غير عادية من "الفيتوهات" مِنْ مَنْ كان ضد إقامتها فى البداية، بينما من دعا لإقامتها ونجح فى ذلك يسعى لإيجاد حلول وتسويات "وسط" لا يعرف أحد كيف يمكن تحقيقها.

    هذه "البلطجة" السياسية الدولية، تنطبق أيضا على أزمة "الأسد" التى لا تختلف كثيرا عن أزمة "بينوشيه" فى تشيلى وما فعلته أمريكا من أجله. فموسكو ما بعد السوفيتية لا تتصور أنها يمكن أن تعيش أو تتنفس دون وجود بشار الأسد فى دمشق. ويبدو أنها غير مهمومة بمسألة سيطرة الأسد على كل سوريا، لأن الأهم بالنسبة لها، هو أن يبقى نظام بشار كمسوغ قانونى لوجودها فى مساحة جغرافية إلى جانب كل من إسرائيل "حبيبة الولايات المتحدة"، وإلى جانب تركيا "عضو حلف الناتو" من أجل السيناريوهات الإقليمية والدولية المقبلة لترتيب شكل المنطقة. وللشعبين الفلسطينى والسورى رب يحميهما من العصابة الصهيونية والنظام الفاشى، ويحمينا جميعا من الإرهاب الذى هو فى حقيقة الأمر صناعة "العصابة والنظام" المذكورين، وصناعة حليفيهما الكبار اللذين يتباكيان يوميا على الإنسان وحقوقه وحريته وتقرير مصيره.

    مقالات الدكتور أشرف الصباغ موسكو أمريكا فيتو أمريكا قرار أمريكا العصابة الصهيونية إسرائيل
    إقرأ أيضاً
    المحور الروسى فى سوريا والأفخاخ الممكنة 2018-01-16 14:11:01 السنوات السبع العجاف فى سوريا 2018-01-09 11:43:52 روسيا بين سوريا وإيران فى 2018 2018-01-02 16:05:43 روسيا غيَّرت قواعد اللعبة ووضعت الجميع أمام الأمر الواقع 2017-12-26 15:14:47 جولة السيد بوتين وتدوير الزوايا 2017-12-12 14:58:57 مقتل على عبدالله صالح المفيد للجميع 2017-12-05 13:10:36 مصر فى المرحلة المقبلة من الأزمة السورية 2017-11-28 12:44:19 وفعلها بوتين 2017-11-21 11:30:53 بوتين وترامب فى سوريا وأردوغان يلعب على التناقضات 2017-11-14 15:12:50 سيدتنا وسيدة أحلامنا 2017-11-07 12:24:30 الرسائل المهمة للعقوبات الأمريكية الجديدة على روسيا 2017-10-31 11:00:39 سوريا ما بعد داعش! 2017-10-24 09:16:37 الصمت الروسى فى أستانا 2017-10-17 12:31:59 مناورات أردوغان التى لا تنتهى 2017-10-10 09:23:58 هل تصبح روسيا رمانة الميزان بين السعودية وإيران؟ 2017-10-03 14:23:13 دولة كردستان الجديدة بين العنترية والأمر الواقع 2017-09-26 09:06:39 سحب البساط من تحت أقدام روسيا فى سوريا 2017-09-19 11:25:54 من سيحسم أمر «برلين» السورية! 2017-09-12 09:42:24 إزاحة ترامب وانهيار أمريكا! 2017-09-05 13:19:33 لافروف على خطى أردوغان فى أزمة قطر 2017-08-29 08:46:03 جولة شكرى الأوروبية 2017-08-22 11:18:55 المشير حفتر بين روسيا والغرب 2017-08-15 08:19:08 العقوبات الأمريكية - الأوروبية ضد روسيا.. إلى أين؟! 2017-08-08 11:54:03 جوهر الصراع بين روسيا والولايات المتحدة 2017-08-01 19:39:16
    للأعلى