وجهة نظر

يعنى إيه حياد!

2017-12-14 10:13:50 |
  • إيرينى ثابت
  • منذ يومين، وبالتحديد فى الثانى عشر من ديسمبر من كل عام لا يحتفل العالم باليوم العالمى للحياد.. نعم! لا يحتفل به العالم.. فقد عدنا فى عصر الحداثة وما بعدها للذاتية المفرطة والتى انتفى معها تماما مفهوم الحياد: دوليا وإنسانيا..

    لا أهتم كثيرا بالحياد السياسى ومفهومه.. لأن السياسة لا تعرف حيادا مطلقا ولا انحيازا مطلقا.. وهى براجماتية تبحث عن المصالح فقط.. ولها ما يبررها من أن مصلحة البلاد فوق كل اعتبارات الصداقة والأخوة والأشقاء.. وبالرغم من ذلك استطاعت دول قليلة صنع موقف لا يتغير من عدم الانحياز جعل منها قوى اقتصادية متميزة وملجأ لكل هارب حقيقى من الأنظمة الدكتاتورية..

    لكن الأهم هو الحياد الإنسانى.. ما هو الحياد؟ هو أن تقف على مسافة واحدة من الأشخاص والأفكار ما لم يكن هناك دليل موضوعى يجعلك تنحاز لشخص أو لفكرة.. فإذا قرأت خبرا أو رأيا يذم فى شخص ما، أو يمدحه، تتحقق أولا من الخبر وتدرس الرأى وتنظر للموضوع دون تحيز ودون حكم مسبق لتصل إلى قناعة مدروسة يمكن أن نسميها موضوعية.. هذا هو الحياد الإيجابى..

    أما الحياد السلبى فهو ألا يكون لك موقف منحاز على الاطلاق.. وبخاصة فى النزاعات بين الأطراف المتعارضة.. وليس الحياد السلبى مكروها فى كل وقت.. لأننا فى أحيان كثيرة نتبع المثل الشعبى "ما ينوب المخلص إلا تقطيع هدومه".. كما أن بعض النزاعات الكلامية ومشادات المناقشات السياسية أو الكروية التى ليس للمرء فيها ناقة ولا جمل، يكون الحياد السلبى فيها هو أبرع المواقف.. ومن المفترض أن يكون مقدم البرامج الحوارية محايدا حيادا سلبيا لا ينحاز فيه لضيف فوق الآخر، ومثله المعلق الرياضى.. وكثيرون آخرون ينبغى عليهم أن يتحلوا بالحياد أثناء أعمالهم..

    قطعا يخطئ إنسان القرن الواحد والعشرين أفدح الأخطاء فى حق نفسه والبشرية جمعاء حين يهمل الحياد ويعتنق الذاتية.. وللذاتية أسباب معظمها أنانية.. فقد علمتنا المادية العقيمة أن ننحاز لما فيه مصلحتنا وما يناسب جيوبنا وبطوننا.. وعلمتنا الحداثة البغيضة أن الموضوعية موضة قديمة لا تتماشى مع الإنسان العصرى الذى يجاهر بتمحوره حول ذاته وباعتناقه أفكارا منحازة وبعدم مبالاته بالآخرين.. وبانسياقه الأعمى لما يراه هو فقط..

    وللذاتية وجه آخر غير مادى، ولكنه مدمر أيضا.. فالعاطفة ذاتية، والحب ذاتى.. إذا أحببت شخصا، فقدت حياديتك تجاهه.. لو أخطأ، لم تر خطأه.. ولو ظلم، لا تستطيع أن تقف فى وجهه.. لو استغل حبك، ستلتمس له الأعذار.. ولو ظلمك أنت شخصيا قد لا تستطيع أن تنقذ نفسك.. وسوف تنتهر الآخرين إذا حاولوا تنبيهك وحثك على الخروج من ذاتك والنظر بحيادية لحالك وكأنك شخص آخر حتى ما تعى ما أنت فيه!!

    الحياد عقل يسبق كل موقف تتخذه.. وفكر دائم البحث عن الصواب.. وضمير مستيقظ دائما لا يرضى بالظلم ولا يقبل انحيازا للخطأ ولا المخطئ.. وقوة نفسية وثبات وإيمان بمبدأ.. لما كان للحياد وجود حقيقى فى عالم السياسة، كانت هناك دول تنتهج سياسات ممكن تسميتها سياسات واضحة ومحترمة.. ولما كان للحياد وجود بين الناس، كان العدل موجودا، وكان العقل حاضرا، وكان للتفاهم الإنسانى، وليس الصفقات، محل من الإعراب.. أما وقد صار الحياد مشردا بين قلة قليلة من البشر، فإن الأوان قد آن لنلغى الاحتفال به رسميا ونودعه فى حفل مهيب.. ثم نواجه أنفسنا بأن الألفية التى شارفت على إتمام عامها السابع عشر لا تعترف بوجوده من أصله.

    إيرينى ثابت
    للأعلى