وجهة نظر

جولة السيد بوتين وتدوير الزوايا

2017-12-12 14:58:57 |
  • د.أشرف الصباغ
  • لقيت زيارة الرئيس الروسى فلاديمير بوتين إلى القاهرة ترحيبا معتادا، لا سيما أن توقيتها جاء فى ظل ظروف استثنائية تمر بها المنطقة عموما، والعلاقات الروسية – الأمريكية المتردية على وجه الخصوص.

    وبعيدا عن العلاقات التكتيكية "الهشة" بين موسكو وأنقرة، كانت القاهرة محطته الثانية، بعد أن زار قاعدة حميميم العسكرية الروسية فى سوريا، وأعلن من هناك عن انسحاب جزئى للقوات الروسية المتواجدة على الأراضى السورية.

    إعلان الرئيس الروسى من قاعدة حميميم لم يكن مفاجئا، لأنه قد تم التمهيد له منذ منتصف نوفمبر الماضي. وبالفعل صدرت تصريحات روسية بهذا الصدد، ولكنها لم تجد رد الفعل الكافى من جانب الولايات المتحدة أو الدول المشاركة فى التحالف الدولى، وبالتالى، كان الاهتمام بتصريحات الانسحاب أكبر، فى ظل مفاجأته بزيارة "حميميم"، فى تقليد جديد بالنسبة لروسيا على نفس نسق التقليد الأمريكى بزيارة الرؤساء الأمريكيين لقواعدهم العسكرية فى الدول الأخرى، ومع ذلك كررت واشنطن تصريحاتها السابقة بأنها لن تخرج من سوريا قبل إنهاء التسوية السياسية وإعلان نتائج الانتخابات هناك.

    وتجرى مناورات سياسية أقرب إلى تسجيل النقاط والحرب الإعلامية بين موسكو وواشنطن بشأن مَنْ الذى انتصر على داعش فى سوريا، ومن الذى يجب أن يقود العملية السياسية بشكلها الأوسع فى المنطقة عموما، وفى سوريا على وجه الخصوص، وبالتالى، أعطت زيارة بوتين لحميميم والقاهرة وأنقرة انطباعا بأن الحرب انتهت فى سوريا، وأن روسيا احتلت مكانتها "اللائقة" فى المنطقة، فى ظل تراجع السياسات الأمريكية، و"التهورات" المتوالية للإدارة الأمريكية، سواء السابقة بقيادة أوباما أو الحالية بقيادة دونالد ترامب.

    والملاحظ فى جولة بوتين، أن مصر حصلت على دور مهم، أو بالأحرى تم التأكيد على دور مصر فى عدد من الملفات السياسية المهمة، على رأسها الملف الفلسطينى، وسياساتها إزاء الأزمتين الليبية والسورية ثم اليمنية.

    وفى الحقيقة، فهذا الدور له مبرراته الواقعية التى ترتكز إلى سياسات القاهرة الخارجية وحفاظها على نسق سياسى – دبلوماسى ينطلق من مصالحها، ومن حرصها على توازنات معينة لتحقيق هذه المصالح.

    كما إن روسيا بحاجة ماسة إلى تأكيد انتصارها فى سوريا من جهة، وإلى الإفلات من الدائرة الضيقة المليئة بالمنحنيات الخطرة التى تضم إيران وتركيا ونظام الأسد من جهة أخرى، وإلى "تفاهمات" سياسية جديدة لضخ الدماء فى صيغة "أستانا" وضم أعضاء جدد ولو حتى بصفة مراقبين من جهة ثالثة، وإلى دعم واسع بشأن مبادرتها بشأن ما يسمى بـ"الحوار الوطنى السورى" المزمع إقامته فى منتجع سوتشى الروسى من جهة رابعة.

    هذا بإضافة إلى احتياج موسكو لفتح قنوات جديدة فى شمال إفريقيا، والبحث عن موطئ قدم "ثابت" فى شمال البحر المتوسط وفى غرب البحر الأحمر، وربما أيضا فى شرقه.

    الوجود الروسى فى المنطقة أصبح واقعا ملموسا، بصرف النظر عن حجمه وتأثيره ومستقبله، وبغض النظر أيضا عن أن هذا الوجود مرتبط بعوامل متحركة تحتمل الكثير من التوقعات فى ظل وجود أطراف إقليمية ودولية أخرى لها مصالح متشابكة ومتناقضة فى آن واحد، وعلى خلفية ظروف وتحولات سريعة ومتغيرة.

    وبالتالى، فروسيا تحاول قدر الإمكان "تدوير الزوايا" بشكل سريع فى ظل المشاكل الأمريكية الداخلية، وفى ظل تناقضات الإدارة الأمريكية مع دول المنطقة، ولكن فى كل الأحوال، لن تتمكن روسيا، لأسباب كثيرة، من احتلال مساحة الولايات المتحدة فى الشرق الأوسط، ولن تستطيع اختراق كل المواقف والعلاقات، كل ما هنالك أنها تستغل كل التناقضات الممكنة لتحقيق شروط أفضل لكى تشغل مساحة ما إلى جانب القوى الغربية التقليدية فى المنطقة.

    لقد شهدت زيارة بوتين توقيع اتفاقية بشأن بناء محطة "الضبعة" النووية خلال عشر سنوات، ولا شك أن التعاون الأمنى بين مصر وروسيا فى مكافحة الإرهاب يجرى منذ سنوات، ولكن كل المؤشرات تؤكد أن هذا التعاون سوف يشهد نقلة نوعية خلال الفترة المقبلة.

    وبصرف النظر عن طموحات موسكو وأحلامها التى قد تتجاوز الواقع أو توازنات القوى فى المنطقة وفى العالم، فالقاهرة بعيدة عن الأحلاف، وعن إقامة قواعد عسكرية أجنبية، ولكنها منفتحة على التعاون الأمنى والعسكرى مع أطراف متعددة، وعلى تنويع العلاقات ومصادر السلاح مع مختلف الدول.

    أشرف الصباغ
    إقرأ أيضاً
    الخطأ الوجودى لترامب 2018-07-18 09:06:44 السيد الروسى فى جنوب سوريا 2018-07-10 14:01:18 الموقف المصرى فى سوريا وتنوع العلاقات 2018-07-03 16:10:34 قمة بوتين وترامب بين الوهم والخيال 2018-06-27 18:32:48 البطيختان الإيرانية والتركية 2018-06-19 15:16:30 القمة الأمريكية - الكورية الشمالية بحد ذاتها!  2018-06-12 18:15:16 مخاوف إيران من روسيا فى سوريا   2018-06-05 14:44:32 إرادة الجند فى رحاب العاشر من رمضان 2018-05-29 14:02:30 إيران وروسيا ولغة المصالح بعد شروط الولايات المتحدة 2018-05-22 09:54:20 أوهام روسيا حول موقف أوروبا من الاتفاق النووى الإيرانى 2018-05-15 13:12:51 محفوظ بين دوستويفسكى وجوجول 2018-05-08 12:30:50 نجيب محفوظ ومحمد صلاح 2018-05-01 16:02:43 ماذا يمنع روسيا من تسليم «إس 300» لبشار الأسد! 2018-04-24 10:07:11 بوتين والمواجهة مع أمريكا 2018-04-17 13:33:58 الحرب السورية 2018-04-10 11:42:45 حصار الغرب لروسيا وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها 2018-04-03 12:48:49 سوريا ما بعد الافتراضية 2018-03-27 14:40:58 سكريبال ونوفيتشوك وبوتين 2018-03-20 09:27:04 مصير كأس العالم أمام اختبار مواجهات روسية أمريكية! 2018-03-13 11:23:34 ماذا ستفعل روسيا إذا ضربت أمريكا الأسد! 2018-03-06 16:27:24 مفاجآت روسيا ومعجزاتها فى سوريا 2018-02-27 10:45:56 التسخين نحو الحرب فى سوريا.. ولا حرب! 2018-02-20 14:53:09 نقلة الشطرنج الأمريكية - الإسرائيلية الجديدة فى سوريا 2018-02-13 15:39:00 الثلاثى الضامن لاستمرار الحرب فى سوريا 2018-02-06 10:55:49
    للأعلى