وجهة نظر

الله.. و«بنات حواء الثلاث»!

2017-11-30 09:37:32 |
  • حنان أبو الضياء
  • يبدو أن الأديبة التركية إليف شافاق، التى نالت قسطًا وفيرًا من الشهرة والاهتمام فى العالم العربى، مما جعل دور النشر مهتمة بترجمة كل ما تكتبه، ما زالت تنهل من عالم الصوفية، وعلاقة الإنسان بالله من خلال الرؤى المتعددة والمختلفة.

    ليس لفلاسفة ومتصوفى الإسلام فقط، لكن تجاوزتهم بصورة أكبر وأعمق للفلاسفة فى العالم وفى مختلف العصور، وهذا الذى يبدو واضحًا وجليًا فى عملها الأخير "بنات حواء الثلاث"، لكنها مع ذلك ما زالت تسير على الدرب الذى تؤمن به هى شخصيًا من أن الصوفى المسلم يتبع دين الحب تماما مثل ما قال ابن عربى "لا يوجد دين أرقى من دين الحب"، هذا المفهوم الذى ضمنته روايتيها "الصوفى" و"قواعد العشق الأربعون"، طارحة نظرة ثاقبة ومختلفة لرؤية الإنسان للفلسفة القديمة والدين السماوى، مع التأكيد على ما تعتقده إليف شافاق نفسها من أن الله لا يقبع فى السماوات العالية، بل يقبع فى داخل كل منا، لذلك فهو لا يتخلى عنا، فكيف له أن يتخلى عن نفسه.

    وبالتالى فإن "بنات حواء الثلاث" تسير على نفس النهج ولكن بصورة تأملية لشخصيات عدة لها مراجعتها الشخصية المختلفة للتصورات والأفكار الدينية فى محاولة للبحث عن مفهوم الإله بداخلها. والتناول يتم من خلال الأستاذ الذى يطرح مفهوم الله عند الفلاسفة بقناعته هو الشخصية، وإن كان يعلن أنه يعطيك حق رؤيته بالصورة التى تقتنع بها، وثلاث فتيات مسلمات من دول مختلفة، ذات موروث دينى وعقائدى متباين، وإن كن جميعهن مسلمات، فالأولى إيرانية ملحدة، والثانية البطلة الرئيسية للرواية تركية مشوشة دينيًا، والأخيرة مصرية محجبة وملتزمة بتفاصيل الطقوس الإسلامية، ثلاثتهن يدرسن فى جامعة أكسفورد ويبحثن عن الله من خلال حوار دائم فى الرواية ذو طابع فلسفى وجدلى فى وقت واحد.

    إننا فى تلك الرواية أمام أسلوب طرح قدمته من قبل إليف شافاق فى "قواعد العشق الأربعون"، بين زمانين ومكانيين مختلفين، فنحن فى عالمها المسرود من خلال بطلتها التركية "بيرى" نتنقل بين فصل وآخر ما بين إسطنبول وأكسفورد، فى فترة زمنية ما بين عام 1980 إلى عام 2016. لنرى بوضوح الاختلاف الدينى والأيدلوجى للأتراك منذ بدأ تأثير الجماعات الدينية فى مسار الحياة السياسية فى تركيا، وإن لم يكن التناول فى الرواية بشكل مباشر ولكننا نرى تأثير أحزاب وُصفت باليمينية المتوسطة، تزامنًا مع انفتاح الباب الديمقراطى فى تركيا عام 1950. ووصل الإسلام السياسى إلى الحكم من جديد عبر تأسيس حكومة توافقية مع حزب "الطريق القويم".

    وبظهور حزب "العدالة والتنمية"، الذى اتجهت أنظار مناصرى فكر الإسلام السياسى نحوه، كبديل لحزب الوطن الأم، وحزب "الطريق القويم"، وحزب "الرفاه"، وحزب "الحركة القومية" فنحن أمام أب مؤمن بالمبادئ الكماليّة وأم متدينة إلى حد التطرف، فالأمر يتعدى ارتداء الحجاب، بل يصل بها إلى التشدد فى الدين، أمّا الأخوين، فالأكبر يسارى ماركسى، والأصغر قومى مُتعصِّب. هذا الجو نشأت فيه "بيرى" فانكبت على القراءة والانعزال، حتى تفوّقت فى مدرستها. لتصبح تمثيلًا حقيقيًّا وواقعيًا للمرأة بالمجتمع التركىّ متعدد الأيديولوجيات فى البيت الواحد، مما يجعلها دائمة الحيرة بين شبه الإلحاد المتمثل فى الأب، والتزمت الذى تعيشه الأم، مع مخزونها من التشتت الناتج من سجن أخيها الأكبر "أومت"، بسبب أفكاره اليسارية.

    ولم تعرف "بيرى" الوسطية أبدًا، وإن كانت تتوق إليها بين سطور الرواية، تلك الحيرة صاحبتها إلى أكسفورد لتلتقى بأستاذ مادة الإلهيات "أُزور"، ومجموعة من الطلاب الواثقين بأنفسهم، أمثال شيرين الإيرانية ومنى المصرية المتناقضتين فى ما يؤمنون به ما بين مُلحدة، تُنكر وجود الإله علانية، ومحجبة تعلن دومًا أن الإسلام دين المحبة والسّلام، مع كل ما تعرّضت له من مضايقات وصلت إلى حد التحقير بسبب الحجاب ولكنها مع ذلك مقتنعة بما تؤمن به وتدافع عنه، رافضة مُمارسات الإقصاء التى يمارسها المُختلِف معها فى العقيدة.

    ومن خلال علاقة الصداقة التى تنشأ بين الثلاثة، مع التناقض الشديد فى الأفكار والمعتقدات بينهن، وعلاقتهن بالأستاذ، تُقدِّم الأديبة التركية إليف شافاق رؤية مُهمِّة للصراع الأيديولوجى والدينى فى منطقة الشرق الأوسط، متزامنًا مع أطروحتها المعتادة لفهم حقيقة الله.

    حنان أبو الضياء
    إقرأ أيضاً
    باموق.. شوكة فى حلق أردوغان! 2018-10-18 13:18:08 هل تدخل «دينا» الأمم المتحدة بقدمها اليمنى؟ 2018-10-11 11:28:32 ستيفن سيجال.. بالروسى! 2018-10-04 10:47:37 بالسينما والوثائق.. بروباجندا الحروب مستمرة! 2018-09-26 12:13:14 فعلها «مروان».. وسوف يثبتها التاريخ! 2018-09-19 11:10:54 «الفيس بوك».. عدوك «الناعم» القادم بقوة 2018-09-13 09:29:54 مروان والهجان.. وجهان لعملة واحدة! 2018-09-06 09:50:57 يسمع منك ربنا يا «نتنياهو»! 2018-08-30 12:31:54 كلمة السر برانسون و«جولن»! 2018-08-23 13:37:48 أردوغان وتميم .. توأم سيامى سياسى! 2018-08-16 11:36:02 من حضَّر العفريت قد لا يستطيع صرفه! 2018-08-02 09:44:30 ماكرون وكوليندا.. وبينهما بوتين! 2018-07-12 09:49:23 مدخل الجنة...«صهيونى»! 2018-07-05 13:37:19 «وراس أبويا».. بحبك! 2018-06-21 09:47:25 المنتحرون تقربًا إلى الله! 2018-06-14 10:00:33 مسلسل الرعب «الإنترنتاوى»! 2018-06-07 10:28:16 «برنارد لويس».. مات غير مأسوف عليه! 2018-05-31 09:57:18 سر الخلطة التميمية للتقرب من «الجماعات اليهودية» 2018-05-26 09:16:11 فعلها السنغافورى «مدرسة تفكر.. وطن يتعلم» 2018-05-10 09:53:16 «دان براون» والهدف الخفى للروبوت «صوفيا»! 2018-04-26 10:05:48 غزو إسرائيل بمحمد صلاح! 2018-04-19 09:37:02 «بر بحر».. الجيل السادس من الحروب! 2018-04-12 10:37:11 سيدة المترو... ياريس! 2018-04-05 09:31:55 ليلة بكى فيها الإخوان 2018-03-29 09:40:08
    للأعلى