وجهة نظر

مصر فى المرحلة المقبلة من الأزمة السورية

2017-11-28 12:44:19 |
  • د.أشرف الصباغ
  • بصرف النظر عن الخلافات المعلنة بين أطراف النزاع السورى، لكن من المؤكد، ووفق أبجديات "التسويات السياسية"، تجرى مناقشات ومفاوضات خلف الأبواب المغلقة، وعبر قنوات دبلوماسية وأمنية وسياسية.

    ولقد انتهت فعلا المرحلة الأولى من الأزمة السورية، والتى امتدت لأكثر من 6 أعوام، تحوَّلت فيها الدولة السورية إلى دولة شبه فاشلة.

    المسألة ليست ميكانيكية أو مثالية، فالفترة الحالة، كمرحلة انتقالية، ستظل تشهد مناوشات واشتباكات، ولكن مساحة التسويات العلنية والسرية، قلَّصت مساحة عسكرة الأزمة السورية.

    ولا شك أن الصراع الأساسى فى هذه الأزمة يشكل هرما، فى قمته، روسيا والولايات المتحدة، وفى وسطه، الدول الإقليمية المتورطة فى هذا الصراع.

    وفى قاعدته، نظام بشار الأسد والقوى الأخرى "منظمات إرهابية وفصائل معارضة"، وبعد تقليص مساحة الإرهاب، قد يتحول الصراع إلى مواجهات بين فصائل المعارضة وبين قوات الأسد، ومع ذلك، فالتسوية السياسية بدأت رغم كل شىء وهى الآن فى مراحلها الأولى.

    عدا الحماقة التى ارتكبها محمد مرسى بإعلانه الصبيانى، قطع العلاقات مع سوريا، لم تنزلق مصر إلى مستنقع هذا الصراع، ولم تقع فى فخ "التصريحات العنترية" أو تفرض نفسها كطرف فى هذا النزاع الذى يمتلك أبعادا غير تلك التى نراها ونسمع عنها.

    وربما تكون القاهرة الرسمية مدركة لأبعاد هذا الصراع، ما جعلها تتمسك بعدد من الثوابت التى تنطلق من مصالحها الوطنية حصرا، ومن جهة أخرى، فهى تلتزم بكل مبادئ الاحترام والتفهم لمصالح الأطراف الأخرى.

    على الرغم من انزلاق بعض أطراف الأزمة السورية إلى تصريحات لا تتوافق مع مبادئ الاحترام واللباقة السياسية والدبلوماسية، كانت القاهرة أعلى بكثير وأرفع من الوقوع فى فخ تلك المواجهات الصغيرة.

    هناك أصوات داخلية مصرية تكاد تنقسم مع نفسها وعلى نفسها بشأن الأزمة السورية، بل وقد شَكَّلت مشهدا أشبه بمشهد القوى المتورطة فى تلك الأزمة، وهناك من يدين موقف القاهرة، وهناك من لا يستحسنه، وهناك من يراه متواطئا، وهناك من ينظر لخطوة أو اثنتين إلى الأمام، وفى الحقيقة، لم تخضع "السياسة الخارجية" المصرية لأى نوع من أنواع الابتزاز، لا من الداخل ولا من الخارج، فى ما يتعلق بالأزمة السورية، بل وتقود مسارا متزنا وعقلانيا فى التعامل مع الأزمة من جهة، ومع أطرافها من جهة أخرى.

    مصر لم تنزلق أو تسلك مسارات صبيانية مع التصريحات التى تصدر من طهران أو أنقرة، أو حتى من جانب أطراف أخرى، من بينها شخصيات فى نظام الأسد أو شخصيات من تنظيمات ومنظمات تبحث لنفسها عن مكان تحت الشمس، ولكن بطرق ملتوية وتآمرية.

    وكثيرا ما تلتزم القاهرة الصمت أو التجاهل للعديد من الاتهامات الحمقاء، وتحافظ دائما على تلك المساحة التى تسمح للأطراف الأخرى بالتراجع عن أوهامها وتصوراتها غير الدقيقة، والعودة إلى المسارات الطبيعية.

    وهذا بطبيعة الحال، ليس ضعفا سياسيا أو دبلوماسيا، بقدر ما هو مبدأ من مبادئ الدولة المصرية التى ليس لديها أى مطامع أو طموحات توسعية أو استعمارية، أو مد النفوذ والتأثير قسرا.

    الموقف المصرى، ومسارات القاهرة السياسية والدبلوماسية، والتمسك بالمصالح الوطنية، تجعل القاهرة مفتوحة كساحة حقيقية جدية وشفافة لأى مفاوضات سياسية بأى صيغة أو حجم بشأن الأزمة السورية.

    وإذا كانت الصيغ الكثيرة المرتبكة التى تطرحها روسيا ستتناقض وتتضارب مع صيغة جنيف، فليس من المستبعد أن تظهر أصوات عاقلة تطرح ساحة جديدة وعقلانية وشفافة فى القاهرة من أجل صيغة تنقذ ما يمكن إنقاذه فى سوريا وفى المنطقة، لأن لا أحد إلى الآن يعرف كم ستمتد المرحلة الانتقالية قبل الدخول فى مرحلة التسوية السياسية الحقيقية، وإلى متى ستطول فترة التسويات السياسية التى ستبقى على الدوام مرهونة بمصالح القوتين القابعتين على قمة الهرم، وبصراعات القوى المتصارعة فى وسط الهرم، وبالتقلبات والمغامرات الصبيانية لكل الأطراف الموجودة فى قاعدة الهرم.

    أشرف الصباغ
    إقرأ أيضاً
    المحور الروسى فى سوريا والأفخاخ الممكنة 2018-01-16 14:11:01 السنوات السبع العجاف فى سوريا 2018-01-09 11:43:52 روسيا بين سوريا وإيران فى 2018 2018-01-02 16:05:43 روسيا غيَّرت قواعد اللعبة ووضعت الجميع أمام الأمر الواقع 2017-12-26 15:14:47 الفيتوهات الأمريكية والروسية العجيبة 2017-12-19 10:34:01 جولة السيد بوتين وتدوير الزوايا 2017-12-12 14:58:57 مقتل على عبدالله صالح المفيد للجميع 2017-12-05 13:10:36 وفعلها بوتين 2017-11-21 11:30:53 بوتين وترامب فى سوريا وأردوغان يلعب على التناقضات 2017-11-14 15:12:50 سيدتنا وسيدة أحلامنا 2017-11-07 12:24:30 الرسائل المهمة للعقوبات الأمريكية الجديدة على روسيا 2017-10-31 11:00:39 سوريا ما بعد داعش! 2017-10-24 09:16:37 الصمت الروسى فى أستانا 2017-10-17 12:31:59 مناورات أردوغان التى لا تنتهى 2017-10-10 09:23:58 هل تصبح روسيا رمانة الميزان بين السعودية وإيران؟ 2017-10-03 14:23:13 دولة كردستان الجديدة بين العنترية والأمر الواقع 2017-09-26 09:06:39 سحب البساط من تحت أقدام روسيا فى سوريا 2017-09-19 11:25:54 من سيحسم أمر «برلين» السورية! 2017-09-12 09:42:24 إزاحة ترامب وانهيار أمريكا! 2017-09-05 13:19:33 لافروف على خطى أردوغان فى أزمة قطر 2017-08-29 08:46:03 جولة شكرى الأوروبية 2017-08-22 11:18:55 المشير حفتر بين روسيا والغرب 2017-08-15 08:19:08 العقوبات الأمريكية - الأوروبية ضد روسيا.. إلى أين؟! 2017-08-08 11:54:03 جوهر الصراع بين روسيا والولايات المتحدة 2017-08-01 19:39:16
    للأعلى