وجهة نظر

انتظر إنهم هنا

2017-11-28 09:14:53 |
  • يسرى الفخرانى
  • مرة أخرى يجب أن يكون عندنا يوسف إدريس ونجيب محفوظ وفاتن حمامة وصلاح جاهين ومصطفى محمود وعاطف الطيب.. لكى نواجه طوفان الإرهاب.

    يجب أن يكون عندنا أحمد رجب وجمال الغيطانى وصلاح أبو سيف وسيد بدير وفطين عبد الوهاب وبليغ حمدى وعبد الحليم ومحمود عوض وأم كلثوم، ميزان الثقافة والفنون أضعاف ميزان العنف والدم. الكلمة الجيدة تطرد الكلمة الرديئة وميراث الفن يهزم ميراث القتل. الرصاصة قد تواجه الرصاصة، لكن الآداب والثقافة تعزل الرصاص قبل أن ينطلق.

    لم نعد نملك إلا أسماء قليلة لقامات كبيرة.. قليلة إلى درجة الجفاف، انقرضت الأسماء العظيمة التى كانت أهم وأغلى من أى غطاء ذهبى للثروة، عقول كانت تحمل الفكرة والتجربة والرأى، هؤلاء الذين خاضوا معارك دامية من أجل بقاء مصر دولة غنية بالأفكار والآراء، ودافعوا عن الوطن فى أعنف أزماته وأخطر حروبه.

    كان لدينا كبار يصنعون زمن الكبار.

    أصغر أديب كان ثروة وأصغر فنان كان قيمة وأصغر مثقف كان حكيما.

    القائمة كانت تضم آلاف الأسماء.. طبيعى أن يرحلون لكن ليس منطقيا ألا يتركون لنا آلاف المبدعين يكملون المسيرة!

    فى منتصف الثمانينيات قرأت خبر رحيل صلاح جاهين، كان بالنسبة لى أول عملاق أحبه يموت، ومن منتصف الثمانينيات وكل العمالقة الذين أعرفهم وأحبهم يموتون، أتصور أن منتصف الثمانينيات هى النقطة التى تحولت فيها مصر من رحم ينجب العظماء والعباقرة إلى سرادق عزاء نودع فيه المواهب يوم بعد يوم.

    وأعتقد أنها نفس السنوات التى بدأ فيها سقوط جودة التعليم سنة بعد سنة، رحلة تراجع المدرسة والجامعة والمسرح وقصور الثقافة والمكتبة وحصة الموسيقى عن دورها فى صناعة آلاف المواهب اللامعة.

    أثق أننا نملك آلاف المواهب وآلاف العقول المستنيرة فى كل مكان فى مصر.. لكنها ليست قامات عظيمة، ينقصها التعليم والتدريب والخبرة والفرصة، ليس صعبا أن نكتشف هذه المواهب حتى لو وضعنا فى سنواتنا المقبلة استثمارًا كبيرًا لتحويل الموهبة الصغيرة إلى قامة عظيمة ومؤثرة.

    آخر سلالة الكبار تودع بعضها كل يوم وداعا حزينا، لكن كيف نبدأ سلالة كبار جديدة دون أن نتأخر لحظة؟

    إذا قرأت سير العظماء سوف تعرف أن قسمة العدل كانت موجودة.. وأنهم على قدر ما تعبوا لبناء سلم عظمتهم كان المناخ حائطا ضخما قويا يسند سلم المجد ليصلوا إلى القمة.

    الكفاح يصنع نصف الطريق.. لكن النصف الثانى يصنعه زمن مستعد أن يستقبل العظماء حتى آخر الطريق.

    لا تتصور أن الأسماء تلمع كالنجوم إلا فى وجود سماء مستعدة لاستقبالهم.

    يسرى الفخرانى
    للأعلى