وجهة نظر

قتلة المصلين.. لقطاء الصحوة والاستعمار

2017-11-27 21:13:12 |
  • محمود بسيونى
  • فى العام الـ21 للهجرة طعن أبو لؤلؤة المجوسى، الخليفة عمر بن الخطاب فى مسجد بالمدينة المنورة وهو يصلى بالناس الفجر، وطعن معه 13 رجلًا مات منهم ستة.

    كانت الدماء الأولى التى سالت فى بيت الله هى دماء الخليفة الثانى للمسلمين، وأعدل الخلفاء الراشدين.. قُتل فى المسجد وهو يصلى.

    لم تمنع قدسية الكعبة المشرفة والحرم المكى محمد بن عبدالله القحطانى وجهيمان العتيبى، زعيم الجماعة السلفية المحتسبة، من احتلال الحرم لمدة أسبوع كامل، قبل أن تتدخل القوات الخاصة السعودية والفرنسية وتقتحم الحرم، وتقتل جهيمان وعددًا كبيرًا من أنصاره.. حتى الكعبة المشرفة سالت الدماء على أطرافها بيد الإرهاب.

    فى نوفمبر 2017، فتحت عناصر إرهابية النار على المصلين فى صلاة الجمعة بمسجد الروضة بشمال سيناء، وقتلوا 305 مصريين بينهم 27طفلًا.. نهر من الدماء سال فى بيت الله، بعد قرون من الزمان على مقتل الخليفة عمر.

    يخبرنا التاريخ أن الإرهاب لا يعترف بحرمة بيوت الله، وأنهم جميعًا برروا جريمتهم بنصوص من التراث الدينى، واستخدموا التأويل ليكون صكًا شرعيًا بالقتل، صدّقوا كذبتهم لدرجه الإيمان بأن السماء قد باركت سفكهم للدماء.. أصبح التكفير سلاحًا أبديًا فى الصراع على السلطة عبر التاريخ الإسلامى.. يعطى لضمير المتطرف إجازة مفتوحة.. ويمنحه القوة المطلوبة لذبح ضحاياه بدم بارد.. وصلت لحد إطلاق الرصاص على الصغار الأبرياء وقت الصلاة دون أن يرمش له جفن.

    للتطرف عنوان واحد فى العصر الحديث، هو جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية، فهى الرحم الأول الذى أنجب كل التنظيمات المتطرفة، بداية من التكفير والهجرة ثم الجماعة الإسلامية، وصولا لأنصار بيت المقدس والقاعدة وجبهة النصرة وداعش، لا يغرنك تكفيرهم المتبادل أو قتلهم لأتباعهم، فتلك الأدبيات متعارف عليها بين الجماعات التكفيرية، فكل منهم يرى نفسه الفرقة الناجية، ويصور لأتباعه أنهم جنود الله فى الأرض، أما الباقى فكفرة، حتى يسهل عليه قيادتهم ويقطع الطريق على استقطابهم من باقى التنظيمات، هدفهم فى مصر واحد وهو إسقاط الدولة، ورغم أن المنظومة الفكرية واحدة إلا أن الإخوان يصنعون مسافة بينهم وبين باقى التنظيمات التكفيرية، بما يسمح لها بالتحرك السياسى أو الحفاظ على التواجد الدولى، وعدم الإضرار بمصالحها الاقتصادية المتشعبة، ويختلف الأمر عن وصول أحدهم للسلطة، فالإخوان استعانوا بتلك التنظيمات فى صراعهم مع الدولة، وكانت البداية اغتيال الرئيس الشهيد الراحل أنور السادات، والدليل على ذلك مظاهر الاحتفاء بسيرة خالد الإسلامبولى وعودة أخيه الإرهابى محمد الهارب إلى مصر بعد سيطرة الإخوان عقب أحداث 25 يناير، وحضور طارق الزمر وصفوت عبد الغنى قيادات الجهاد والجماعة الإسلامية، قتلة الرئيس السادات لاحتفال نصر السادس من أكتوبر بدعوة من الرئيس الإخوانى المعزول محمد مرسى، ثم البيان الذى لم يشهد له مثيل فى العالم، والذى يطالب بحماية أرواح الخاطفين والمخطوفين، حينما تم خطف عدد من جنود القوات المسلحة فى سيناء، وتدخل الإخوان من أجل الإفراج عنهم، ما أكد الصلة بين الجماعة والتنظيمات الإرهابية فى سيناء، وهو ما وصل إلى حد إعلان القيادى الإخوانى محمد البلتاجى أن ما يحدث فى سيناء ينتهى فى اللحظة التى يعود فيها المعزول لقصر الرئاسة.

    فكر الصحوة الإسلامية، الذى أفرز تنظيم القاعدة والجهاد ثم داعش، جزء من المنظومة الفكرية لجماعة الإخوان الإرهابية، بل إن بداية الصحوة لا تعود إلى عام 1979 حينما دعمت المملكة السعودية تلك التيارات فى الدول العربية بمكاسب النفط الرهيبة آنذاك، بل يعود لخروج قيادات الإخوان من السجون فى بداية حكم الرئيس السادات، الذى قرر مواجهة اليسار بالتيارات الإسلامية، وكان غالبيتهم من تلامذة سيد قطب صاحب "الحاكمية" أو منهج تكفير الحاكم، وتطبيق الشريعة الإسلامية بالقوة وهو المنهج الذى تستند إليه كل الجماعات التكفيرية إلى اليوم.

    كان من نتاج الصحوة الإسلامية كل مظاهر التطرف التى نراها فى حياتنا، وإجابة سؤال لماذا تغير شكل مصر فى الثمانينيات والتسعينيات عن السبعينيات والستينيات، فقد نجح شيوخ الصحوة فى إقناع المصريين وغيرهم من الشعوب العربية بأنهم بعيدون عن دينهم السليم، بشكل متزامن مع ظهور حملات كراهية وتحريض ضد الفن والإبداع والأدب والثقافة.

    كما شهدت مصر للمرة الأولى اشتباكات طائفية بسبب بناء كنيسة، تطورت إلى فتنة طائفية مزمنة غذّتها تلك التيارات، سواء الإخوانية أو السلفية بحملات كراهية ضد المسيحيين، وقرروا وفق منهج طويل الأجل تهجيرهم وإبعادهم عن مصر بنفس طريقة تهجير اليهود فى بداية القرن الماضى.

    بظهور الصحوة، خسرت الدول العربية الكثير من تسامحها وتفاعلاتها الحضارية التى ميزتها طوال تاريخها، وتحولت إلى موطن العنف والكراهية، وأصبح الرصاص هو لغة التخاطب بين الصحوة وأجيالها وبين مؤسسات الدولة والمجتمع على حد سواء، وظهرت موجة الاغتيالات التى طالت مفكرين تصدوا لفكر الصحوة، مثل الراحل فرج فودة، ولم يسلم أديب مصر والعرب والحاصل على نوبل نجيب محفوظ من أذاهم، وتأثرت صحته بالاعتداء الذى وقع عليه وكاد أن يودى بحياته.

    تدفع مصر ثمن أجيال الصحوة وتسامحها مع شيوخها وتياراتها، التى تغلغلت فى ريفها وحضرها وصعيدها، وكانت أجيال الصحوة هى القاعدة التى استند عليها الإخوان فى الانتخابات، بل وتمكنوا من تحويل الحق الانتخابى إلى واجب على كل مسلم نصرةً لدينه وطريقا لإنشاء خلافتهم المزعومة.. وعقب ثورة الشعب عليهم فى 30 يونيو، لم يجد الإخوان صعوبة فى إقناع جيل الصحوة بالحل الدموى، وأن تتحول "جماجم" جيل الصحوة إلى "سلماً " يصعد به الإخوان لعروش الحكم .

    نجحت الصحوة فى صناعة جيل يحرص على الدراسة فى مدارس ومعاهد الإخوان وحضور دروس المساجد والزوايا التى سيطروا عليها، انعزل ذلك الجيل عن الأدب والفن، ولم يعد حتى يسمع القرآن من المشايخ المصريين واستبدلهم بقراء الخليج، وانتشر ما يعرف بـ"الفرح الإسلامى" فى الريف والحضر، وهو نموذج مستورد من جيل الصحوة فى الخليج يفصل بين الرجال والنساء، ولا تسمع فيه سوى أناشيد تصاحبها عزف آلة واحدة، ناهيك عن محاصرة المصريين، مسلمين ومسيحيين، فى وسائل النقل العام والخاص بشرائط شيوخ الصحوة، الذين كفروا المجتمع والحاكم أمثال الشيخ كشك وشيوخ السلفية الحوينى ويعقوب وغيرهم.

    وجدت بريطانيا فى الصحوة أداة مناسبة لتحركها فى الشرق الأوسط، فهى تملك علاقات مميزة بالإخوان، والإخوان على عداء مع الأنظمة القومية التى طردت الاحتلال الأجنبى، ويمكن ملاحظة ذلك الخيط الواصل ما بين جيل الصحوة والإخوان والممتد لتحقيق المصالح البريطانية الهادفة لإخلاء شمال ووسط إفريقيا من الأنظمة القومية واستبدالها بأنظمة "إخوانية" تدين بالولاء المطلق والتاريخى للمشروع الامبراطورى البريطانى.. وعبرهم تحكم السيطرة على احتياطياتها النفطية وتحديدا الغاز حتى لا تظل أسيرة للغاز الروسى.

    وتستخدم بريطانيا، الإرهاب، كأداة تأديب قذرة للدول القومية والجيوش الوطنية التى تحميها، وأداة للثأر التاريخى من الدول التى طردت الامبراطورية، وكانت سببًا فى انهيارها، ويتضح ذلك فى إصرارها على إيواء عناصر جماعة متطرفة مثل الإخوان المسلمين وقيادات تنظيمات جهادية أخرى، بل إن كثيرًا من التكتيكات العسكرية التى يستخدمها الإرهابيون قدمتها لهم بريطانيا والولايات المتحدة خلال حرب أفغانستان.

    ويرى الباحث مارك كورتيس، صاحب كتاب العلاقات السرية بين بريطانيا المتطرفين المسلمين، أن مخططى السياسة البريطانية يرون المنظمات الإسلامية المتطرفة مفيدة فى التصدى للنظم القومية، والبحث عن حكم موال للغرب، لافتا إلى تقديم الجماعات المتأسلمة تشكيلة من الوظائف الأساسية للسياسة الخارجية البريطانية، فهى قوات يمكن أن تصدم بسلطات حكم فى بلد ما أو عناصر تشجع على القلاقل والاضطرابات، وكقوى سرية تعمل وكيلة لبريطانيا، تمكنها من التخلص من قيادات غير مرضى عنها أو كقوى محافظة تساعد فى دعم النظم الموالية للغرب.

    والأرجح أن استضافة هذه الجماعات فى لندن وفّر مزايا أخرى للسياسة البريطانية، مكنتها من اللعب على كل الأحبال، الاستثمار مع الحكم القائم والاحتفاظ بعلاقات قوية مع مناوئيه الإرهابيين.

    بريطانيا لديها سياسة خاصة بها، ولذلك لم تكن مستريحة فى الاتحاد الأوروبى رغم مميزاته، وهى فى قلب صراع الغاز المشتعل طوال العقد الماضى، ويمكن قراءة ذلك فى فيلم وثائقى بثته "الجزيرة الوثائقية" عن الصراع فى إفريقيا، وكانت سياسة "الجزيرة" وقطر الداعمة للنفوذ البريطانى فى إفريقيا حاضرًا طوال الفيلم، تناول الفيلم تجارب ثلاث دول خضعت للاحتلال البريطانى فى الماضى هم كينيا وغانا وبتسوانا، كينيا وقعت اتفاقات للتنمية مع الصين مقابل إمداده بالنفط، وقياداتها على خلاف مع بريطانيا فاستحقت العقاب، وظهر الإرهاب الذى استهدف السياحة فى كينيا عبر عملية القتل الجماعى فى المركز التجارى "وستغيت" بالعاصمة نيروبى ونفذتها "حركة الشباب" الصومالية، وهى ابنة لأجيال الصحوة وتسببت فى ضرر بالغ للسياحة الأوروبية الكثيفة على الساحل الكينى، ورغم جهودها فى مكافحة الإرهاب، حولها صانعو الفيلم إلى نموذج للديكتاتورية ومعاداة حقوق الإنسان، بينما غانا وبتسوانا استحقتا التحية لأنهما لم توافقا على التعاون مع الصين وفضلا بريطانيا عليها.

    وحوّل صانعى الفيلم غانا التى تعانى من أزمة اقتصادية إلى واحة للديمقراطية والرخاء وكذلك بتسوانا، ولم تفتهم الإشارة إلى قوة المجتمع المدنى فى البلدين، والمقصود بالمجتمع المدنى هم النشطاء السياسيون، أو بالأحرى القريبين من بريطانيا، والذين رفضوا بالمظاهرات إبرام اتفاق تعاون بين غانا والصين، على اعتبار أن الصين ستسرق بلادهم.

    لبريطانيا طريقة فى اللعب كأى قوى استعمارية قديمة جملت وجهها وعادت لتبحث عن مصالحها، إما بالترغيب أو الترهيب، وتستخدم إعلامها واسع الانتشار فى تشويه الأنظمة غير المرضى عنها والمجتمع المدنى أو بالأحرى نشطائه السياسيين، لتحقيق مصالحها وتمرير رسائلها للأنظمة المستقلة عن فلكها.. كانت داعمة ولا زالت للصحوة ولقطر وتتلاعب بهم على رقعة شطرنج الشرق الأوسط قلب الصراع فى العالم.. وعمقه.

    محمود بسيونى
    إقرأ أيضاً
    حكاية إنقاذ وطن 2018-01-18 17:43:26 شكرا لتسريبات النيويورك تايمز   2018-01-08 18:37:19 الأيام الأخيرة لولاية الفقيه 2018-01-03 17:10:26 مصر 2018.. موعد مع الصعود 2017-12-28 13:12:21 هذا هو تاريخ أجدادك الأسود يا أردوغان 2017-12-21 17:22:29 مصر 2017.. إسدال الستار على «العبث» الديمقراطى 2017-12-18 20:22:58 أمان.. يا ضبعة 2017-12-12 17:15:44 أردوغان.. جزار سيناء 2017-12-05 19:10:08 حل أزمة الحريرى بتوقيع مصرى    2017-11-22 18:16:11 متى يعلنون وفاة جنرالات السوشيال ميديا؟ 2017-11-15 17:39:08 الصفعة 2017-11-01 12:06:35 الانتهازيون فى خدمة الإرهاب 2017-10-21 15:24:53 معارضون أم مسفون؟ 2017-10-17 15:08:18 الحروب الكبرى لا تنتهى 2017-10-03 15:15:45 مبادئ السيسى الخمسة 2017-09-20 00:06:11 أيقونة الهلال 2017-09-12 14:51:40 ليلة القبض على «المطبلاتى» 2017-09-06 12:50:18 نظرية المؤامرة فى بريطانيا 2017-08-29 21:41:20 جت فى السوستة 2017-08-21 17:56:34 ما بين روما وتنزانيا.. مصر تعود 2017-08-15 13:57:19 تحية المقاتل خفاجى 2017-08-06 13:51:03 رجِّع ولاءك لمصر 2017-07-30 13:43:11 بين 23 يوليو و30 يونيو.. شباب يكسر الحواجز 2017-07-22 19:42:32 يا نحكمكم .. يا نقتلكم 2017-07-16 13:50:58
    للأعلى