وجهة نظر

بابا خدنى أصلّى معاك

2017-11-26 11:52:38 |
  • د.محمد فياض
  • عند سدرة المنتهى، عندها جنة المأوى، كان الملاك الصغير يمشى مع زملائه متوجًا بين حشد من الملائكة، أطفال صغار ضيوف جدد على أهل الجنة.

    سار الصغار نحو النعيم الأبدى فى جنة الخلد، لا زالوا رغم روعة الجنة يشعرون بالوحدة، قتلتهم أيد غاشمة بغيضة وهم بين أحضان آبائهم، كانوا يُصَلُون الجمعة، متعطرين يلبسون جلاليب بيضاء صغيرة كأنهم ملائكة، ولكن البياض ما لبث وأن اختلط بالدم الذكى البرىء.

    أحد هؤلاء الأطفال الأبرياء يتذكر لحظات النهاية، كان والده ينزل من البيت فجرًا يعمل طيلة اليوم بعيدًا عنه كان يفتقده دائمًا كما يفتقده الآن، لم يكن والده يعود من العمل إلا ساعات قليلة، كان دائمًا يتحدث مع أمه بكلمات لم يكن الصغير يفهمها كثيرًا، كان يتحدث معها عن مصر، وعن حب الوطن وعن خفافيش الظلام التى تعشعش فى شقوق الجبال القريبة منه، كان يودعه كل يوم عند نزوله لعمله وكأنه لن يعود ثانية، كان الطفل يتعجب من أبيه هذا الذى كان يحب وطنه، كما كان يغير عليه من هذا العمل الذى يأخذه منه، كثيرًا ما كان يتمنى أن يذهب للملاهى وكثيرًا ما وعده ولكن الشغل الشغل الشغل، أخيرًا استطاع أن يجد فرصة صغيرة ليشبع منه، يوم الجمعة السوداء، اصطحبه معه إلى صلاة الجمعة.

    كاد الطفل الجميل أن يطير فرحا، هو يعرف جيدًا أنه لن يذهب إلى الملاهى أو المصيف ولكن يكف أنه سيحتضن يد أبيه لساعات، ألبسته أمه الأبيض، وكان الأبيض ناصعا كما لم يكن من قبل، كان الطفل يتقافز من السعادة، يالا يا بابا بسرعة، كانت أمه تصفف له شعره وكان الطفل قد وصل لقمة توتره أن ينزل أباه ويتركه كما كان يفعل دائما، ولكنه انتظره هذه المرة، وياليته ما انتظره، احتضن يده ونزلا سويا يغنيان ويمرحان يتقافز حوله كفراشة بجلبابه الأبيض، كانت والدته التى أغلقت خلفهما الباب تشعر بهذا الألم الذى يعتصر قلبها، قلق مكتوم، لم يكن هذا القلق كالذى اعتادت عليه يوميًا عند توديع زوجها، استعاذت بالله وأغلقت بابها، وفى الأسفل كان الطفل يسير بجوار أبيه، وذهبا للمسجد، لم يطيق الطفل أن يجلس جوار أبيه كان يريد أن يذوب فيه، يحضتنه، اكتفى بالجلوس على حجره فى المسجد كما كان يحب أن يجلس دائما، ضاحكًا صاحبًا سعيدًا، وبينما كان القرآن يصدح فى الفضاء، كان الطفل قد وصلت فرحته عنان السماء.

    وفى غفلة من الزمن ملأ المكان أصوات الرصاص الغادر، ضربت الأم بيدها بكل فزع على صدرها الذى اعتصره القلق قلبها غير مستريح، وفى المسجد أصوات فزع صراخ دماء وأشباح من جهنم تصوب السلاح تفجيرات صراخ تكبير تكبير تكبير، ثم انتهى كل شىء، صرخ الأب المكلوم الذى أصابت الرصاصات ابنه بدلًا منه، ابنى.. ضنايا.. قلبى.. حبيبى.. لم يرد الطفل لأول مرة على أبيه لكنه ترك له ابتسامه رقيقة مختلطة بدمائه الذكية.

    صرخ الأب الذى طالما لم يهتز انهارت الأم لطما وصراخا وقهرا.. ياله من قهر.. هل تخيلت نفسك مرة وأنت مكان هذا الرجل؟ هل تخيلت نفسك تحتضن ابنك الذى سقط مخه أمامك؟ تكلمه فلا يرد، دمائه تنزف بلا توقف، جسده الصاخب بالمرح والفرح قد توقف أبدًا، انتزعوه منه وكأنهم ينتزعون قلبه، البقية فى حياتك، شد حيلك، إكرام الميت دفنه، دفن مين؟ ميت مين؟ ابنى؟ كان فى حضنى دلوقتى، طيب ليه قتلوه ليه؟ أنا أهوه ما قتلونيش أنا ليه؟ قتلوا المصلين ليه؟ ليه؟ ابنى ليه؟ وهكذا مات الطفل الصغير، ولم يسافر وحيدًا للبر الغربى بل اصطحب معه أكثر من 30 طفلًا من أحبائه، وأكثر من مائتى رجل من أصدقاء أبيه وأقاربه.

    لم يدرك الطفل ما حدث له لكنه استفاق ليجد نفسها فى هذا النعيم، سار الملاك وسط بساتين وأنهار ونعيم كما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على بال بشر، كان رغم الخلود يفتقد أبيه وأمه، كان يريدهم معه هنا بعيدًا عن هؤلاء الذين قتلوه، كان يخشى منهم، رغم الجنة لم يستطع أن ينسى بشاعة مناظرهم عندما قتلوه، لو أمهلوه فرصة لسألهم قتلوتنى ليه؟ كنت عايز أخرج مع بابا وعمو كنت عايز عمو يخلى بابا يودينى الملاهى أو البحر، حتى ملحقتش آكل الشيكولاته ولا أشرب العصير، بابا وحشنى وماما وحشتنى، أنا مبسوط هنا بس خايف عليهم، مين هيلعب معايا بالمكعبات تانى، طيب ملحقتش أعمل الواجب، طيب مين هيلعب بالدباديب بتاعتى؟ أنا كمان ملحقتش أرسم بالألوان الجديدة، بحب الجنة هنا قوى بس بحب بابا وماما كان نفسى أستنى معاهم.

    شيلوا اللعب والمكعبات والألوان والفساتين عشان الملاك الصغير مات ومش هيلعب تانى.

    د.محمد فياض
    للأعلى