وجهة نظر

وفعلها بوتين

2017-11-21 11:30:53 |
  • د.أشرف الصباغ
  • مثل ما حدث فى 21 أكتوبر 2015، حدث بالضبط فى 21 نوفمبر 2017، الفارق الزمنى هو عامان وشهر واحد بالضبط.

    فجأة أعلن الكرملين أن الرئيس الروسى فلاديمير بوتين استقبل نظيره السورى بشار الأسد فى منتجع سوتشى على البحر الأسود يوم 20 نوفمبر الحالى، وبحثا المبادئ الأساسية لتنظيم العملية السياسية لتسوية الأزمة السورية، وهو ما كان قد حدث منذ 25 شهرا، عندما استقبل بوتين نظيره السورى فى موسكو، وبحثا الأزمة السورية.

    الرئيس الروسى هنَّأ نظيره السورى بنتائج العمليات العسكرية الروسية فى سوريا، مشيرا إلى قرب انتهاء العمليات العسكرية بهزيمة تنظيم "داعش" الإرهابى، وأصبح من المهم الآن التوصل إلى تسوية سياسية طويلة الأمد فى سوريا.

    ولم ينس بوتين أن يؤكد ليس فقط على أهمية القمة الثلاثية التى ستجمعه، بعد ذلك بيومين فقط، مع نظيريه التركى رجب طيب أردوغان والإيرانى حسن روحانى فى سوتشى أيضا، بل وذهب إلى التأكيد على أن روسيا تعمل مع العراق والولايات المتحدة ومصر والسعودية والأردن، ودول أخرى.

    الرئيس الروسى، وضع الأسد أيضا فى المشهد العام، وقال: "أود أن أناقش معكم المبادئ الأساسية لتنظيم العملية السياسية، ومؤتمر الحوار السورى، الذى تساندوه، أود أن استمع إلى تقييمكم للحالة الراهنة، وآفاق تطور الوضع، بما فى ذلك رؤيتكم للتسوية السياسية، التى حسب ما تبدو لنا، ودون شك، فى نهاية الأمر ينبغى أن تتم تحت إشراف منظمة الأمم المتحدة، نحن نعوّل على مشاركة نشطة لمنظمة الأمم المتحدة فى المسار نفسه وكذلك فى المرحلة النهائية".

    كلمات بوتين هذه حملت أكثر من رسالة لأكثر من طرف، فهو ينقل إلى الأسد أنه يجب أن يوافق على كل الخطوات الروسية التالية، لأن كل ما تحقق، كان بفضل تدخل روسيا فى سوريا، وبالتالى، فمن حق موسكو أن تحصد نتائج جهودها، ورسالة لكل الشركاء الآخرين "الولايات المتحدة والسعودية ومصر وتركيا وإيران والعراق والأردن، وغيرها" بأن الأسد موافق تماما على ما سيحدث لاحقا.

    أما ما سيحدث لاحقا، سيكون بترتيبات متفاوتة مع الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، إضافة إلى تركيا وإيران الضامنتين فى مشاورات أستانا، وربما يكون قد بدأ بالفعل، لأن ما يجرى من ترتيبات داخل السعودية، وما يحدث من انعطافات حادة وتباديل وتوافيق جديدة فى مؤتمر الرياض 2، ليس بعيدا عن انخراط الرياض فى عملية واسعة مع موسكو من جهة، ومع الولايات المتحدة من جهة أخرى، وبالتالى، لا يمكن أن يندهش المتابع من موقف إيران التى أعلن رئيسها حسن روحانى، صباح الثلاثاء 21 نوفمبر الحالى، عن "نهاية تنظيم داعش الإرهابى".

    الرئيس السورى أعرب عن إعجابه بنتائج العمليات العسكرية الروسية فى سوريا، ورأى أن نجاحات كبيرة تحققت على أرض المعركة وعلى الساحة السياسية، وأن مناطق كثيرة من سوريا حررت من الإرهابيين، كما رأى أنه يجب الاعتراف بأن هذه العملية، التى أطلقتها روسيا، سمحت بتعزيز التسوية السياسية فى سوريا على أساس ميثاق الأمم المتحدة، وسيادة واستقلال الدولة، وذهب الأسد مباشرة إلى التأكيد على موقفه من تحركات روسيا، بعيدا عن موقفه من تركيا، وأوضح أن موقف دمشق متوافق تماما مع موقف موسكو بشأن خطط عقد مؤتمر الحوار الوطنى فى الأيام القليلة المقبلة، داعيا إلى المزيد من نسيق المواقف.

    وقال صراحة: "نحن نعوّل على دعم روسيا لمنع تدخل اللاعبين الخارجيين فى العملية السياسية، ولكى تساند الأطراف الخارجية فقط العملية التى يجريها السوريون أنفسهم، نحن لا نريد أن ننظر إلى الوراء، ونرحب بكل من يرغب حقا فى التسوية السياسية، ونحن مستعدون للحوار".

    ويبدو أن الحوار المقصود ليس مع فصائل المعارضة فقط، بل مع أطراف دولية وإقليمية، وهو ليس بالضبط حوارا، بقدر ما هو جزء من عملية واسعة تشارك فيها أطراف عديدة بدرجات وبطرق متفاوتة، على رأسها تركيا والسعودية والولايات المتحدة، ويجرى التجهيز والتمهيد لها، وربما تتداخل مسارات أستانا، والرياض 2، ومسارات جنيف، ومسارات مؤتمر الحوار الوطنى فى سوتشى، أي أنه تم تحديد موقف الأسد من العمليات الجارية، ويجرى الآن إجراء عملية "جراحية" صعبة فى جسد فصائل المعارضة السورية "السياسية والمسلحة" فى كل من تركيا والسعودية، وفى حال اعتراض أو رفض أى فصيل معارض لما ستقره أنقرة والرياض، فإنه سيصبح خارج السرب، وسيقع تحت طائلة "عقاب جماعى".

    هذه الصورة التى تبدو مثالية، لا يمكن أن تخلو من منغصات تتمثل فى علاقات واشنطن مع طهران، وعلاقات الأخيرة مع الرياض، وعلاقات أنقرة مع دمشق رغم الهدوء الظاهرى وإقلاع نظام الأسد عن انتقاد تركيا، هذا إضافة إلى موقف إسرائيل من ما يجرى فى سوريا عموما، وفى ما يسمى بمنطقة "تخفيف التوتر" فى جنوب غرب سوريا، وما يجرى فى لبنان أيضا.

    فى كل الأحوال، لا يمكن تجاهل نجاحات روسيا، بعد دخول قواتها إلى سوريا طوال عامين كاملين، وبعد استخدام موسكو 11 قرار "فيتو" لإحباط اقتراب الغرب من بشار الأسد، بينما فصائل المعارضة فى حالة انعدام وزن لأسباب كثيرة تتعلق بها وبتحالفاتها وبقدرتها على المناورة والمضى قدما فى هذا المشهد، سواء كان ذلك مع حلفائها أو دونهم، وهذا ما ستكشف عنه عدة مسارات على رأسها "مؤتمر الرياض 2" و"مؤتمر جنيف 8" و"مؤتمر الحوار الوطنى".

    لقد كان اللقاء الأول بين بيوتين والأسد بعد 20 يوما من إعلان دخول القوات الروسية إلى سوريا، فهل اللقاء الثانى قد يحمل مفاجأة إعلان جديد عن خروج القوات الروسية من سوريا، أو حتى تقليصها والإبقاء فقط على قاعدتى "طرطوس" و"حميميم" الروسيتين فى سوريا؟! وماذا عن طموحات تركيا وإيران والولايات المتحدة والعلاقات المعقَّدة بينهم؟ وما هو مصير بشار الأسد الذى يبدو أنه سيتحدد أيضا خلال المرحلة المقبلة، ولكن ليس بعيدا عن توافقات سيجرى التمهيد لها بهدوء ودبلوماسية لتفادى ظهور فراغ يمكن أن يعيد الجميع إلى مربع الصفر؟

    أشرف الصباغ
    إقرأ أيضاً
    بوتين والمواجهة مع أمريكا 2018-04-17 13:33:58 الحرب السورية 2018-04-10 11:42:45 حصار الغرب لروسيا وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها 2018-04-03 12:48:49 سوريا ما بعد الافتراضية 2018-03-27 14:40:58 سكريبال ونوفيتشوك وبوتين 2018-03-20 09:27:04 مصير كأس العالم أمام اختبار مواجهات روسية أمريكية! 2018-03-13 11:23:34 ماذا ستفعل روسيا إذا ضربت أمريكا الأسد! 2018-03-06 16:27:24 مفاجآت روسيا ومعجزاتها فى سوريا 2018-02-27 10:45:56 التسخين نحو الحرب فى سوريا.. ولا حرب! 2018-02-20 14:53:09 نقلة الشطرنج الأمريكية - الإسرائيلية الجديدة فى سوريا 2018-02-13 15:39:00 الثلاثى الضامن لاستمرار الحرب فى سوريا 2018-02-06 10:55:49 الكمَّاشة الأمريكية التركية حول روسيا 2018-01-30 13:07:18 حوارات الطرشان فى سوريا 2018-01-23 14:12:34 المحور الروسى فى سوريا والأفخاخ الممكنة 2018-01-16 14:11:01 السنوات السبع العجاف فى سوريا 2018-01-09 11:43:52 روسيا بين سوريا وإيران فى 2018 2018-01-02 16:05:43 روسيا غيَّرت قواعد اللعبة ووضعت الجميع أمام الأمر الواقع 2017-12-26 15:14:47 الفيتوهات الأمريكية والروسية العجيبة 2017-12-19 10:34:01 جولة السيد بوتين وتدوير الزوايا 2017-12-12 14:58:57 مقتل على عبدالله صالح المفيد للجميع 2017-12-05 13:10:36 مصر فى المرحلة المقبلة من الأزمة السورية 2017-11-28 12:44:19 بوتين وترامب فى سوريا وأردوغان يلعب على التناقضات 2017-11-14 15:12:50 سيدتنا وسيدة أحلامنا 2017-11-07 12:24:30 الرسائل المهمة للعقوبات الأمريكية الجديدة على روسيا 2017-10-31 11:00:39
    للأعلى