وجهة نظر

الإفتاء بين الهواة والدعاة

2017-11-19 09:12:48 |
  • أحمد سليم
  • أحمد سليم

    من قال لا أعلم فقد أفتى، ولكننا مرضى بالفتوى والرغبة، فى الإجابة على كل سؤال، سواء كانت لدينا إجابة صحيحة أم لا.. لو سألت من تقابله أين شارع "س"، سيقول لك بعد أمتار يمين فيسار.. وسر كما شئت ستجد أن أغلب من سألتهم، قد أجابوا بغير علم.

    صديقك يصف لك دواء مجرب، وكأنه طبيب متمرس، وآخر يصلح لك جهازًا فتفقده إلى الأبد، هذه الصفة والرغبة، هى التى أدت بمئات من المشايخ، أو الذين أشاعوا أنهم كذلك، إلى الإفتاء فى أمور الدين، وياليتهم أفتوا فى صحيح الدين، ولكنهم ركبوا موجة العلم والتطور، فأفتوا فى الطب والهندسة، وأخضعوا كل شىء إلى تفسير القرآن، حسب أهوائهم، ولم يدر بخلد أى منهم أى تناقض، ما قالوا إذا حدث يومًا مع آية قرآنية، سيضع فى أيدى مهاجمى القرآن والدين سلاحا قاتلًا.

    وعبر السنوات القليلة الماضية، ارتدى الزى الأزهرى، كثير من لا علاقة لهم به، وجاء عصر السماوات المفتوحة، ووسائل الاتصال الحديثة، ليدفع بالمئات منهم، إلى الشاشات والميكروفونات، ثم إلى قنوات يوتيوب، لنسمع كل دقيقة بفتوى جديدة، فى مسألة من مسائل الدنيا، أو الآخرة، فوصفوا لنا تفاصيل الغيب، وكأنهم عاشوه، ثم عادوا إلينا، وتحدثوا فى مسائل الطب، فأباحوا العلاج ببول الإبل، وانطلق عشرات منهم، تحت مسمى الطب القرآنى والنبوى، ليتاجروا فى الدجل، وعلاج المس والجن، فقتلوا وانتهكوا الأعراض، وانشغلنا بطول الجلباب، ودخول الحمام باليمين، وغسل كعب القدم، فى الوقت الذى كان فيه العالم يخترع ويبتكر، ثم انشغلنا بإرضاع الكبير، وعلاقة الزميل والزميلة، والجلوس على الكرسى أم الكنبة، وركوب التوكتوك فى الوقت الذى تفرغ فيه العالم، إلى سلب بترولنا، والغاز، وتقسيم أراضى العرب والاستيلاء عنوة أو خوفًا أو نفاقًا على أموالهم.

    فوضى عشناها فى الإفتاء.. كما عشناها فى السياسة، وفى مجالات أخرى، بعد يناير 2011، انطلق السلفيون، ليحتلوا المنابر، وجاء اشباه العلماء ليملكوا الشاشات، وبرامج الدعوة، وركب الموجة إعلاميون، ليقدموا برامج إثارة وفتن.. وصدر لنا علماء فتاوى جديدة، ما بين جواز ترقيع غشاء البكارة، درءًا للفضيحة، ومعاشرة البهائم، والتأكيد على أن أسيرات الحرب، ملك يمين، فما بالها لو وقعت هى أو ابنتها فى يد عصابات "داعش"، الذين يؤكدون أنهم خلفاء الإسلام، وتأتى أخرى لتؤكد أن الزوج إذا امتنع عن دفع المهر وهو قادر فإنه زانٍ، وسوف يحشر مع الزناه يوم القيامة، فيبيح آخر رؤية الخطيبة، أثناء الاستحمام وقبل الزواج، ولم يقل لنا هل تزوج هو بهذه الطريقة، وهل سيسمح لخطيب ابنته أو شقيقته، بذلك.

    وتتوالى الفتاوى، فيبيح آخر معاشرة الزوجة، بعد وفاتها، فيما أطلق عليه نكاح الوداع، ولما لا فقد أباح آخرون من قبل نكاح الجهاد.. عشنا فترة صعبة وسيئة ومازلنا.. هناك قضايا قد تكون من التراث، وقد تكون حدث بعضها، أو أُبيحت لظروف ما، وأوقف إباحتها بعد ذلك.

    ما حدث فى مجال الإفتاء، كان لا بد له من وقفة شجاعة، وكان لا بد من وجود من يقف فى مواجهة ذلك، وهذا هو دور الأزهر الشريف، وأيضًا دور دار الإفتاء، وأيضًا دور وزارة الأوقاف، مع التأكيد على ضرورة التوافق، فى خطة المواجهة، وبحكم كون المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام هو المسؤول عن المحتوى فى وسائل الإعلام، فكان من الضرورى أن يقف الجميع، فى مواجهة فوضى الإفتاء.

    وعندما تصدى الإمام الطيب، لتلك المواجهة، كان وهو الإمام الأكبر وشيخ الجامع الأزهر، يعلم تمامًا أن هناك من سيهاجم، ويجرح فقد اقتربت من عش الدبابير، ومصدر رزق، وأيضًا من مواجهـة خطة هم فيها أدوات، للنيل من الإسلام، والإمام عندما أتى من صعيد مصر، حاملًا علمه وعمله، ليبدأ مسيرة تلقى فيها أفضل العلوم، وقدم عشرات المؤلفات، والأبحاث وأجاد لغات مختلفة، واستطاع خوض غمار حوارات عالمية مهمة، كان يدرك أيضًا أن التصدى، لمواجهة ظاهرة الإفتاء، ليس مجرد قرار يصدر، ولكنه منهج سيتم متابعته.. وعلى الجميع أن يكون بجواره، ومعه فى التصدى لهذه الموجة المدمرة، من الفتاوى، وأن نساعده على العودة إلى صحيح الدين، وقصر الإفتاء، على أهل العلم بل وقصر عمل الدعاة، على الدعاة الحقيقيين والدارسين والحائزين على إجازات وتصاريح لذلك، على دار الإفتاء أن تنشر الرد على الفتاوى الشاذة، وألا تكتفى بإصدار مجلدات.. الهيئة يقودها عالم يحمل فكرًا تنويريًا، ومهمته ثقيلة، لكنه يستطيع.. والأوقاف تملك أكثر من مائة ألف مسجد، لو أحسن اختيار الدعاة، وتدريبهم، ولديها أموال تستطيع منها أن تمول، وتدعم كل الأنشطة، لتقديم دعاة مدربون وأيضًا تحدد منهم من لهم حق الإفتاء، فى القضايا المهمة، والخلافية، ووكيل الأزهر يمتلك الإشراف على آلاف المعاهد الأزهرية، وهى النواة، التى ستخرج لنا علماء دين، ومسؤولو الإفتاء على دراية كاملة، فليبدأ فضيلته وأعتقد أنه بدأ تنقيح كتب التراث، التى يدرسها الطلاب، وقصر كتب الفقه فى مسائل معينة على من يتخصص فيها، فى مراحل متقدمة من التعليم، وأن يتحول الأزهر معاهد وجامع، إلى مصدر التنوير، حتى نتخلص من الهواة، ونستطيع مواجهة حرب تعد لنا لهدم الدين.

    جناح آخر مهم، وهو التشريع وتحديدًا دكتور أسامة العبد، مناقشة قوانين الإفتاء، والخطاب الدينى، وهو قانون مهم، يجب الإسراع فى إصدارة.. إذا اكتملت المنظومة، مع وجود مجلس أعلى للإعلام يستطيع أن يراقب وينظم ويتواصل مع وسائل الإعلام، وأيضًا مع الجهات الدينية، أعتقد أننا سنعود إلى القضايا الأهم، وسنستطيع أن نواجه فكرًا متطرفًا، ملأ عقول الشباب، ودفع بهم إلى القتال، فى صفوف داعش وعشرات من التنظيمات الأخرى.

    مرحلة مهمة، ومعركة مهمة يقودها الإمام الطيب، لعودة الهيبة إلى الزى الأزهرى، وعودة الاحترام والهيبة، إلى العالم الأزهرى، وصورة الإسلام الحقيقى، الذى يدعو إلى العمل، والعلم، والمودة، والسلام، إلى الواقع.

    أحمد سليم
    للأعلى