وجهة نظر

الشنطة فيها كتاب دين

2017-11-20 08:21:29 |
  • د.محمد فياض
  • فى طفولة كل منا ذلك الطفل المستفز الذى يمسك بحقيبتك ويلقيها على الأرض وعندما تريد الثأر منه بإلقاء حقيبته هو الآخر يصرخ قائلاً "حاسب الشنطة فيها كتاب دين".

    ويحذرك من عدم شتمه لأن "اللى بيشتم بيشتم ربنا"، ساعتها تجد نفسك عاجزًا عن الثأر بسبب إقحام الدين فى القضية.

    كبر هذا الطفل وزادت مواهبه، وأصبح بعد ذلك ياسر برهامى، ومحمد حسين يعقوب، ومحمد حسان، ولو كنت فى مدرسة لغات فقد صار زميلك صاحب الشنطة عمرو خالد، ومصطفى حسنى، وكل تاجر فى مزاد إسلام السوق، صار إخوانياً وسلفياً، ونمى بعضهم مهاراته حتى صار داعشياً.

    هو أيضاً الطفل الذى كان يرغب طوال الوقت أن تظهر له زبيبة أو علامة صلاة، وربما أرهق نفسه كثيراً فى حك رأسه فى السجادة لتتولد لديه هذه البكتريا المقدسة، ولا أدرى لماذا ينفرد المصريون دون غيرهم بعلامة الصلاة؟.

    نفس ذلك الطفل الذى قرر أن يقوم بالبناء على أرض زراعية، ولما كان هذا تصرف خاطئ يستوجب الإزالة فقد بنى مسجداً صغيراً أسفل هذا المبنى ساعتها يقع المسؤول تحت ابتزاز الشعور الدينى ولا يستطيع أن يهدم المنزل، وأى مسؤول هذا الذى يستطيع أن يقع تحت هذه المقصلة، فستكون الآية القرآنية الكريمة "ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى فى خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم فى الدنيا خزى ولهم فى الآخرة عذاب عظيم"، حاضرة بقوة، وسيكون هذا المسؤول قد أنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة، وسينتصر صاحب المسجد الوهمى والتدين الظاهرى بسلاح الدين والشعور الدينى.

    وفى الحقيقة، فإننا نستطيع رصد تشوهات التنشئة الدينية من خلال عدة أنماط، وحسب أحد الكتاب الأجانب عندما قال "لم يولد أحدنا متديناً وليس هناك أطفال مسلمون أو بوذيون أو مسيحيون بالفطرة، فإنه هذا النمط الفكرى لابد له من معلم"، فعلى سبيل المثال نمط "الشنطة فيها كتاب دين" هو نمط تدليسى أو بمعنى أخف حدة هو نمط النصابين بالدين أو أولئك الذين اتخذوا الدين ستاراً للوصول إلى أى مكسب مادى أو معنوى أو سياسى، أما إذا أردنا أن نميز نمطا آخرا من أنماط التدين أكثر خطورة سنجد التنشئة الدينية المرتبطة بالجماعات الدينية ذات الطابع الخاص والتى تتسم بالجيتو مثل كافة جماعات الإسلام السياسى وفرق الشيعة، فلم ينقطع ذلك الجيتو على الأطفال الذين يرضعون حليباً مختلطا بالمظلومية واقصاء الآخر والدين المتعالى.

    أما النمط الأكثر صعوبة هو نمط تنشئة الكره والنفور من الآخر، كما عبر أحد الكتاب قائلاً "وما الكراهية الأشد صلابة سوى تلك التى تجد جذورها فى الخوف والتى تتكثف عبر الصمت وتحور شعور العنف إلى نوع من شعور الرغبة فى الانتقام إلى إلغاء متخيل للشيء المكروه، وإلى شىء يشبه طقوس الثأر الخفية التى تؤجج غضب الإنسان المضطهد".

    وربما نتذكر جميعاً القصة الشهيرة التى ارتبطت بقاتل السادات "خالد الإسلامبولى"، والذى كان قد وعد أمه بأخذ الثأر من السادات بعد القبض على أخيه، وبعد أن تم تنفيذ عملية الاغتيال أخذ يردد جملة "أنا خالد الإسلامبولى قتلت الفرعون ولا أخاف الموت"، وبعد إعدامه قالت أمه ابنى أقدم على ما فعله لوجه الله تعالى وإن شاء الله يعتبر هو وزملاؤه من الشهداء، نفس هذه الأم التى كانت تقول لنساء الجماعة الإسلامية: "من منكنَّ يا تُرى التى سوف تحمل لقب زوجة الشهيد؛ ثم تُردف قائلةً "من يا تُرى منكن صاحبة البِشارة؛ من يا ترى التى سبقها زوجها إلى جنات النعيم"، فى حديث واضح الدلالة عما تقول به هذا النوع من الأمهات فى التنشئة الدينية المتطرفة لأطفال الجماعات الإسلامية.

    إن ما سبق من حديث قد يساعدنا على لمس أحد أخطر المواضع وهو عامل التنشئة الدينية والتى ترقى لأن تكون قضية أمن قومى، فلازالت حكايات الطفولة لدى قطاعات عديدة تتحكم فى رؤيتهم للآخر، لازالت أسطورة القسيس أو رجل الدين المسيحى الذى يخطف الأطفال ماثلة أمام أعين الكثير، لازالت لحظة الإقصاء والدين المتعالى بطرد أطفال المسيحين والتفريق ساعة حصة الدين تمثل جزء من الوعى الجمعى وما يشوب ذلك من خيالات وتساؤلات، وربما لو تذكرت عزيزى القارئ فصلك الدراسى فى الصف الأول الابتدائى ستجده لن يخلوا من إخوانياً وسلفياً ونصاب الدين حامل المسبحة ذو علامة الصلاة المجنحة، وربما صار بعضهم داعشياً، صفوة القول فإن محاربة التطرف وتجديد الخطاب الدينى يبدأ من التنشئة وبدايات التعلم ومدرس الابتدائى، فالوطن الصحيح يرتبط بتنشئة أطفال أصحاء فكرياً.

    محمد فياض
    للأعلى