وجهة نظر

بوتين وترامب فى سوريا وأردوغان يلعب على التناقضات

2017-11-14 15:12:50 |
  • د.أشرف الصباغ
  • وسائل الإعلام الروسية مصممة على أن الرئيس التركى رجب أردوغان لم يحصل على أية تنازلات من نظيره الروسى فلاديمير بوتين خلال اللقاءين الأخيرين لهما فى سوتشى. هذا الكلام يقنع الرأى العام الداخلى الروسى، ولكنه لا يقنع دمشق ولا طهران، ولا يتماشى مع الواقع.

    إن روسيا تحاول بشتى الطرق إدارة عملية معقدة للغاية بين حلفائها الثلاثة فى المنطقة "أنقرة، وطهران، ودمشق". ويشعر كل طرف من الأطراف الأربعة أن إصبعه بين أسنان الآخر، بنتيجة علاقاتهم المتناقضة، ومصالحهم المتناقضة، والضغوط الأمريكية والأوروبية المتنوعة عليهم جميعًا، وعلى كل طرف منهم على حدة.

    وبالتالى، فالخطط والسيناريوهات والصيغ السياسية التى يتم طرحها تراوح مكانها فى انتظار تفسيرات وتأويلات مختلفة. ولا يستطيع أى طرف أن يقوم بتحركات حادة أو انعطافات غير محسوبة، لأنهم كلهم واقعين تحت المطرقة الأمريكية - الأوروبية.

    المثير هنا أن أردوغان هو اللاعب الوحيد الذى يستطيع، واستطاع فعلًا أن يلعب على كل التناقضات، ويقنص كثيرًا من الفرص لتثبيت نفسه وتثبيت أقدامه فى سوريا. وإذا كانت طهران صامتة، فهى تتحرك فى هدوء وبطء للسيطرة ولو حتى على ما هو تحت يدها. أما دمشق التى ترفع صوتها عاليًا ضد التواجد التركى، فهى تكتفى بـ"الزعيق" فقط، وهو ما يمكنه أن يروق لموسكو الصامتة تمامًا، والرافضة التعليق على تحركات أنقرة داخل سوريا وحولها.

    إن صيغة "روسيا، وطهران، ودمشق، وأنقرة ترتكز إلى قاعدة انعدام الثقة، واقتناص الفرص. ومهما كانت التصريحات السياسية، فالواقع يسير فى اتجاه آخر تمامًا. ولا نجد إلا أصوات قرقعة وسائل الإعلام الروسية المعزولة تمامًا عن الواقع، وكأنها تبحث عن مبررات بشتى الطرق والوسائل. هذا بطبيعة الحال إلى جانب الاتهامات المتواصلة لجميع الأطراف، عدا أطراف الصيغة الرباعية الهشة.

    لقد مر لقاء بوتين وأردوغان الأخير من دون الإعلان عن فحوى اللقاء. وتم الإعلان فقط عن الجمل والعبارات المطاطة التى يتم الإعلان عنها بعد كل لقاء. ولكن أردوغان استبق هذا الصمت، وأعلن أنه سيبحث مسألة تقدم قواته إلى عفرين، وأنه يوافق على انعقاد ما يسمى بالمؤتمر الوطنى بشرط عدم مشاركة الأكراد، وأنه يطالب روسيا والولايات المتحدة بإجلاء قواتهما عن سوريا. إضافة إلى تفاقم "عقدة" إدلب التى تزداد صعوبة وتعقيدًا. ولا يعلم أحد، هل يريد أردوغان البقاء وحده فى سوريا؟!

    من الواضح أن موسكو تتعامل مع أنقرة على المدى الطويل، وتتحلى بأكبر قدر من الصبر. وربما يكون الوضع بالمثل بالنسبة لتركيا فى تعاملها مع روسيا. ولكن طموحات الأخيرة أكبر بكثير من طموحات الجار التركى الذى يعانى من مشاكل وانتكاسات كثيرة، لا ينقذه منها سوى الناقضات بين موسكو وواشنطن. لكن العلاقات بين الأخيرتين تمر بفترة صعبة للغاية، وأكثر قسوة حتى من مثيلاتها بين الاتحاد السوفيتي السابق والولايات المتحدة.

    فقد فشلت موسكو فى مساعيها لعقد لقاء بين بوتين وترامب على هامش قمة "آبيك" فى فيتنام. ومهما ذكرت موسكو من أسباب، فالواقع يعكس تعقيدات أكثر. وعلى الرغم من "التلاكيك" والتبريرات الروسية، فالولايات المتحدة سرَّبت محتوى ما دار أثناء صياغة البيان المشترك والذى يتناقض تمامًا مع الروايات الروسية التى يرددها الإعلام الروسى البائس.

    ورأى ممثل الخارجية الأمريكية سابقًا أن البيان الذى وقعته روسيا والولايات المتحدة والأردن، ينص على إزالة وجود القوات غير السورية، بما فيها الإيرانية وتوابعها، من جنوب وغرب سوريا، وأن روسيا وافقت على البحث مع السلطات السورية فى هذه المسألة، وإبقاء سيطرة القوات المعارضة على مناطق في جنوب غرب سوريا حتى عملية التسوية السياسية.

    وعلى الرغم من أن الكرملين أنكر تمامًا كل هذه التفسيرات، فإن وزير الدفاع الأمريكى جيمس ماتيس أكد أن قوات بلاده لن تنسحب من سوريا قبل انتهاء عملية جنيف وإتمام التسوية هناك. وقال "لن ننسحب قبل بدء ظهور نتائج جنيف، وسنجلى بعض قواتنا عن سوريا، إلا أننا سنربط ذلك بحزمة من الشروط". وذهب ماتيس إلى إحدى أخطر النقاط فى الأزمة السورية، ألا وهى أنه لا يمكن صب قوالب خاصة لمناطق ما يسمى بـ "تخفيف التوتر"، نظرًا لاختلافها، وأن لكل منطقة خصوصيتها، وأنه يتعذَّر تعميم ما تجسد فى جنوب غربى سوريا على جميع مناطقها!!

    إن واشنطن تركت موسكو تمامًا لتنفذ كل ما أرادت ودون أية اعتراضات. واستفادت من كل تلك الإجراءات، بما في ذلك كل الصيغ التى طرحتها روسيا نفسها وساعد على تحقيقها، سواء بمفردها أو بمشاركة إيران وتركيا. ويبدو أنه ليس لدى الأمريكيين أى موانع من أن تواصل روسيا دورها فى طرح الصيغ والمبادرات، وأن تنفذها أيًضًا، فالطرفان "الكبيران" أعلنا بشكل صريح وواضح ومباشر أنهما سيبقيان فى سوريا. وأردوغان يبحث لنفسه عن مكان "دافئ" يستطيع أن يناور منه. بينما طهران ودمشق تدوران حول بعضهما البعض وجميع أصابعهما بين أسنان موسكو التى تجد صعوبات شديدة فى إدارة الأزمة أمام إصرار الولايات المتحدة على المضى قدمًا فى تنفيذ رؤيتها لسوريا ما بعد الأسد.

    والأخير فى حقيقة الأمر، هو المرتكز الرئيس لروسيا فى كل الأزمة السورية. وبالتالى، فلن تتخلى موسكو عنه إلى أن تصبح الرؤية واضحة تمامًا، وأن تكون هناك ضمانات كافية وأكيدة لمصالح روسيا فى سوريا. ولكن هذه مرحلة متأخرة للغاية، يجب التحضير لها بصناعة أمر واقع يتم الاتفاق عليه ضمنيًا بين روسيا والولايات المتحدة، من أجل أن تبدو الأمور طبيعية، وأنه لا مفر من ذلك حتى لا يغضب حلفاء كل منهما.

    د. أشرف الصباغ
    إقرأ أيضاً
    فى حب الرئيس ترامب 2018-10-09 13:30:51 جائزة نوبل للتحرش 2018-10-02 12:47:53 «إس – 300» الحائرة فى سوريا 2018-09-25 19:42:09 مصير بوتين وأردوغان فى إدلب 2018-09-18 10:51:34 فك الارتباط بين الأغا والقيصر 2018-09-11 13:31:37 انتصارات الرئيس بشار الأسد 2018-09-04 14:16:22 سوريا.. الاحتمالات مفتوحة ما عدا الحرب 2018-08-28 14:02:19 كاتبنا نجيب محفوظ الذى..! 2018-08-21 16:59:59 روسيا وضرورة تغيير أمريكا 2018-08-14 15:13:45 جوزيه ساراماجو فى نقد الفصام 2018-08-07 13:51:52 البشرية من الفناء إلى التحول 2018-08-01 09:04:02 أسقف إسرائيل العالية 2018-07-24 18:00:12 الخطأ الوجودى لترامب 2018-07-18 09:06:44 السيد الروسى فى جنوب سوريا 2018-07-10 14:01:18 الموقف المصرى فى سوريا وتنوع العلاقات 2018-07-03 16:10:34 قمة بوتين وترامب بين الوهم والخيال 2018-06-27 18:32:48 البطيختان الإيرانية والتركية 2018-06-19 15:16:30 القمة الأمريكية - الكورية الشمالية بحد ذاتها!  2018-06-12 18:15:16 مخاوف إيران من روسيا فى سوريا   2018-06-05 14:44:32 إرادة الجند فى رحاب العاشر من رمضان 2018-05-29 14:02:30 إيران وروسيا ولغة المصالح بعد شروط الولايات المتحدة 2018-05-22 09:54:20 أوهام روسيا حول موقف أوروبا من الاتفاق النووى الإيرانى 2018-05-15 13:12:51 محفوظ بين دوستويفسكى وجوجول 2018-05-08 12:30:50 نجيب محفوظ ومحمد صلاح 2018-05-01 16:02:43
    للأعلى