وجهة نظر

امتحنوا التعليم

2017-11-09 09:06:05 |
  • إيرينى ثابت
  • أتابع كل أربعاء البث المباشر لعظة قداسة البابا تواضروس الثانى.. قداسته يتحدث عن "امتحنوا كل شىء".. ولما كان المعلمون والأساتذة هم الذين يضعون الامتحانات فقد انتبهت لواحدة من ضرورات عملى..

    تحدث البابا ضمن ما تحدث عن التعليم وكيف يختبر كل واحد تعليمه.. وذكر أن أحد الشباب فى منتدى الشباب بشرم الشيخ قد تحدث عن المعرفة أو المعلومات التى ترد على شبكة الإنترنت وكيف تحوى مغالطات.. وأن المبتكرون ينبغى أن يفكروا فى طريقة لقياس صحة المعلومات، والكلام للشاب، بحيث نميز المعلومات الصحيحة من المعلومات الخاطئة..

    أثارت فكرة الشاب وعنوان "امتحنوا التعليم" عاصفة فى ذهنى.. ربما يتحدث قداسة البابا عن التعليم الدينى.. ولكن الشاب الذى يطلب برنامجا أو طريقة تدل على ما هو صحيح مما هو خاطئ قطعا لا يتحدث عن المعرفة الدينية بل عن المعرفة العامة وعلوم ومعلومات الحياة.. وهنا تكمن المشكلة!! هل هناك معلومات صحيحة مائة بالمائة وأخرى خاطئة؟ هل فى العصر الذى نعيش فيه نستطيع أن نمتحن المعرفة، أم نمتحن طرق نقل المعرفة؟

    لقد بدأ العالم فى تاريخه بأشهر وأبسط طرق المعرفة وهى المعرفة الملحمية.. جيل بعد جيل يحكى فيه المعلم المعرفة المتوارثة بشكل ملحمى وكأنها قصة مثيرة ويستخدم فيها الوجدان بشكل كبير فيؤثر على طلاب المعرفة الذين يسمعونه وبخاصة إذا كان يمتلك كاريزما تضع هالة من النور حوله وتجعل كلامه مقدسا وترفع المعرفة التى تخرج من فمه إلى مرتبة القدسية وكأنها الحقيقة المطلقة..

    ثم تأتى النهضة والحركات التنويرية حول العالم لتقدم طريقة جديدة لنقل المعرفة يصح أن ندعوها المعرفة التنميطية أو القولبية.. فتنتظم العلوم وتنفصل عن بعضها البعض ويضع كل علم شروط وقواعد المعرفة التى يختص بها.. ويصير قبول المعرفة مبنيا على القالب أو النمط الذى يفرضه هذا العلم أم ذاك.. ونلاحظ فى عصور قريبة أن أجدادنا الذين عاشوا فى القرن الماضى والأجيال القريبة التى سبقتهم كانوا ينظرون للحياة كل واحد بحسب تخصصه.. فكانت الحياة موازين للتاجر.. وعناصر للكيميائى.. وتحقيقات وأسئلة لضابط المباحث.. وكلمات محلقة للأديب... إلخ

    ولكننا انتقلنا سريعا لانطلاقة عجيبة ربما جاءت لنا من العلوم التطبيقية وهى المعرفة الفرضية!! والمعرفة الفرضية هى أن تضع فرضية ما وتحاول أن تثبتها بطرق علمية أو منطقية وبإثباتات ودلائل قوية.. وصارت المعرفة مجرد فرض أو احتمال.. وانتفت صفة اليقينية عن العلم.. حتى ذلك العلم البسيط الذى يدرسه الأطفال فى المدارس.. أما تلك اليقينية التى كانت الكل فى الكل فى المعرفة الملحمية، فقد زالت تماما.. وصارت كل معلومة تقبل الصواب والخطأ بنسب متفاوتة كما صار لكل نظرية، نظرية أو عدة نظريات مضادة كلها بعضها للبعض..

    ومع هذا التطور تطور أيضا المعلم.. فبعد أن كان فى عداد الأنبياء والرسل.. انتقلت السلطة إلى نوع العلم والقالب والنمط، وصار المعلم تابعا ومبشرا بقوالب العلم الذى ينتمى له، كما تعددت العلوم وتعدد المبشرون بها، كل ينادى بقواعده.. ولكن مع وصول المعرفة إلى الفرضية، ومع احتمالية الصواب والخطأ لكل علم ومعلومة، صار من غير المعقول أن يختصر التعليم فى معلم وكتاب وقالب.. ومع اتساع مصادر المعرفة فى القرن الحالى، صار من المستحيل أن نحصرها أو نحاصرها.. ولما رأى المعلمون والأساتذة أنهم قد يفنوا كما فنى الديناصور، اختاروا أن يسموا أنفسهم "Facilitators" أى الذين يساعدون الطلاب ويسهلون لهم الاطلاع على المصادر المتنوعة للمعرفة!!

    أعود لامتحان التعليم.. فلنمتحن التعليم فى بلدنا.. التعليم عندنا ملحمى تقرره الوزارة فى كتاب.. والمعلم ليس كاريزميا ولكنه يحاول أن يتقولب ببعض قواعد المعرفة النمطية التى درسها فى كلية التربية.. أما الطالب يا سادة فهو عولمى ينتمى إلى العلم الفرضى مضافا إليه العالم الافتراضى.. وهو لا يذهب للمدرسة لأنه لن يسمع تعليما ملحميا.. وهو لا يؤمن بكتبكم ولا يأخذ معرفته منها، وإن كان يذاكرها للامتحان، هو يذاكرها للامتحان فقط.. وإذا لم يكن المعلم "facilitator"، يناقش فرضية ويقبل خطأها، بل مجرد ناقل لما هو مكتوب فى كتاب الوزارة، فلنعلم إذن أن نتيجة امتحان التعليم فى بلادنا: للأسف لم ينجح أحد!!

    إيرينى ثابت
    للأعلى