وجهة نظر

سيدتنا وسيدة أحلامنا

2017-11-07 12:24:30 |
  • د.أشرف الصباغ
  • شاديتنا لا تحتاج إلى وجود مادى، لأنها ذائبة فى قلوب المصريين وأرواحهم، وموزَّعة علينا منذ الصغر، ولكن ليس بالعدل، لأن لكل منا قدرته على احتمال الجمال واستيعابه والذوبان فيه.

    لدينا ضحكة شادية، وقُصَّة شادية، وبين الاثنتين تسلل صوتها إلى جينات المصريين، فوُلِدَ نمط جمالى متفرد حلَّق فى جميع ربوع مصر، وجابها من أقصاها إلى أقصاها عبر جغرافيا الروح المصرية، لا ألقاب تناسب هذا النمط الجمالى، ولا صفات أو أوصاف يمكنها أن تتسع لهذا الشدو، فكانت "شادية"، وشادية فقط، وكأن الله قال، كُنْ، فكانت.

    شادية مرتبطة فى أذهان المصريين بكل ما هو مصرى الملامح والروح، وهى "دلوعة" مصر الأولى، ومؤسسة اللقب وملهمة الصبايا، وحلم "الولاد السمر الشداد".

    لم يدلل أحد المصريين، ولاد وبنات، كما فعلت شادية: مين قالك تسكن فى حارتنا، ويا خولى الجنينة، وآه يا سمرانى اللون، أحبتهم حتى أوصلتهم لسدرة المنتهى، فعشقوها حتى المنتهى.

    لقد ساهمت شاديتنا فى رسم ليس فقط صورة صبايا عصر صعود الطبقة المتوسطة المصرية بأحلامهن ورؤاهن وكفاحهن، بل وأيضا دشنت هذه الصورة وأسست لها بكل طاقتها الإنسانية.

    وتميزت شادية بدأب نادر على أداء دور فتاة الطبقة الوسطى فى مراحل متعددة، الأدوار الخفيفة والمرحة والميلودرامية والدرامية، وانتقلت من "زهرة ميرامار" إلى "حميدة"، ومن "فؤادة" إلى "نور"، أما عن الغناء، فحدِّث ولا حرج، فكانت صورة الفتاة المصرية المشرقة إحدى أوجه حضور شادية وتألقها ووجودها.

    للجميزة العتيقة على شط أى ترعة مصرية علاقة مع شادية، ولنسيم الليل المصرى فى أبعد أى نقطة جغرافية فى مصر حكاية مع شادية، ولقلب أى مصرى ومصرية حدوتة مع شادية، روح شادية تقمصت المصريين رجالا ونساء، فصارت سيدتهم وسيدة أحلامهم.

    عندما نتحدث عن شاديتنا، لا تسعفنا اللغة عموما، ولا تسعفنا الفصحى على وجه الخصوص، فنلجأ إلى العامية المصرية بكل ما تحمل من دلالات وأحاسيس ومشاعر تصبو للوصول إلى صورة هذه المرأة – الأيقونة، ابنتنا وتاج رؤوسنا ووهج أرواحنا.

    لشادية، ركن خاص فى الذاكرة، لأن الذاكرة قد تكون صناعة مصرية، مثل شادية، والذاكرة هى الحالة الخامسة للمادة، بعد الصلبة والسائلة والغازية والبلازما، فى هذه الحالة الخامسة، يمكن أن تسترجع مشهد الصبايا، فى الليالى المقمرة، حين يجتمعن أمام الدار تحت ضى القمرة، ويغنين أغانى شادية: مين قال لك تسكن فى حارتنا، وخمسة فى ستة بتلاتين يوم، تهمس كل منهن فى إذن الأخرى، فتلمع عيونهن ببريق لا عين رأت ولا خطر على قلب بشر، يتنهدن ويدندن، والنبى وحشتنا.

    يمكنك أن ترى قلوبهن ترتجف في وجل، وأرواحهن ترفرف من أول الكون لآخره، يمكنك كطفل – آنذاك – أن ترى صورتك قمرا صغيرا منتظرا فى بريق عيونهن الذى يعكس البحر الكبير الذى يحيط بالقرية، وتشق فروعه الطريق إلى قلب شادية وقلوب الغيطان وقلوبهن، وتمر من تحت جذع الجميزة العجوز التى تلقى بتينها وظلها على أجساد الصغار وهم عرايا ينزلون إلى المياه ويخرجون منها، ويعتلون فروعها الضخمة، يقفزون مثل القرود مرة أخرى إلى مياه النهر الجارية.

    جميزتنا الجدة كانت تخفى أيضا أجساد الصبايا الأبانوسية التى تزينها قطرات الماء الفضية فى الليالى المقمرة وهن يسرقن لحظات الحرية فى غياب عيون الرجال، يخلعن ثيابهن وينزلن إلى الماء فيتزلزل الكون فرحة ورغبة وصلاة، يتعالى الهمس، وتصدح الأرواح بأغنيات شادية.

    وتكتم جميزتنا القديمة العتيقة الكبيرة أسرارهن الصغيرة، حتى أن لحاءها امتلأ ذات يوم بالكلام والحكايا وناء بحمل الأسرار، فخاطبت الرب مناجية، فمنحها المزيد من العمر والطاقة لتسجل أحلام الصبايا وأسرارهن فى اللوح المحفوظ.

    كن يحكين الحواديت، فى الليالى المقمرة، يتهامسن ويضحكن فى غنج وخجل، وفى السر، هناك خلف الأبواب، يبكين بشدة: لا أحد يعرف، من الفرح أم من الحرمان أم من غياب "القمر"!! وربما من طول الانتظار أو من الغياب!! وقد يكون من شدة الوجد المصرى الذى يشبه صوت الناى وملمس النسيم ورائحة الخبز!! وتصدح شادية فيُحَلِّق صوتها كمطر وغيث، وشفاء للروح، فتجدهن يغنين أغانيها، فتدمع عيونهن، وتبتسم شفاههن، والقلب الأخضر يرقص هناك بين ضلوع تكتمل حبا وحلما، وانتظارا للقمر التالى، وأغانى شادية الجديدة، وصوت الليل المصرى، والقمر المصرى، وحواديت الجدات والخالات والعمات، وهمس الليالى ورائحة الأرض والزرع، و"عنب بلدنا"، وأنفاس شادية التى كانت، وما زالت، تتوسل: قولوا لعين الشمس ما تحماشى.

    "قالى الوداع" و"قطر الوداع" و"غاب القمر يابن عمى" صارت جزء من ذاكرة المرأة المصرية: طفلة وصبية ومراهقة وشابة، أما وأختا وزوجة وجدة، "يا حبيبتي يا مصر" ليست أبدا أغنية وطنية بالمعنى السائد والمبتذل، وإنما أغنية الأمل المصرى "فى عيون الولاد وصبايا البلد"، إنها نشيدنا الوطنى الحقيقى وشراع أرواحنا نحو الحب المطلق، ومصر هى حبنا المطلق فى صوت شادية وفى ألق عينيها وسحر ابتسامتها حين تنطق باسمها فى وجل وخشوع وصلاة.

    شادية، هى الكون والقلوب وهمس الصبايا وعزة الرجال، شادية، هى المنح والعطاء ورجفة الروح، شادية، هى صوت مصر وصورتها، وملامح كل نسائها وأحلام كل رجالها، عمرها بعمر مصر وبملامح مصر وبصلابة مصر: "أقوى من الزمن"، وأبقى من النسيان.

    أشرف الصباغ الفنانة شادية
    إقرأ أيضاً
    فى حب الرئيس ترامب 2018-10-09 13:30:51 جائزة نوبل للتحرش 2018-10-02 12:47:53 «إس – 300» الحائرة فى سوريا 2018-09-25 19:42:09 مصير بوتين وأردوغان فى إدلب 2018-09-18 10:51:34 فك الارتباط بين الأغا والقيصر 2018-09-11 13:31:37 انتصارات الرئيس بشار الأسد 2018-09-04 14:16:22 سوريا.. الاحتمالات مفتوحة ما عدا الحرب 2018-08-28 14:02:19 كاتبنا نجيب محفوظ الذى..! 2018-08-21 16:59:59 روسيا وضرورة تغيير أمريكا 2018-08-14 15:13:45 جوزيه ساراماجو فى نقد الفصام 2018-08-07 13:51:52 البشرية من الفناء إلى التحول 2018-08-01 09:04:02 أسقف إسرائيل العالية 2018-07-24 18:00:12 الخطأ الوجودى لترامب 2018-07-18 09:06:44 السيد الروسى فى جنوب سوريا 2018-07-10 14:01:18 الموقف المصرى فى سوريا وتنوع العلاقات 2018-07-03 16:10:34 قمة بوتين وترامب بين الوهم والخيال 2018-06-27 18:32:48 البطيختان الإيرانية والتركية 2018-06-19 15:16:30 القمة الأمريكية - الكورية الشمالية بحد ذاتها!  2018-06-12 18:15:16 مخاوف إيران من روسيا فى سوريا   2018-06-05 14:44:32 إرادة الجند فى رحاب العاشر من رمضان 2018-05-29 14:02:30 إيران وروسيا ولغة المصالح بعد شروط الولايات المتحدة 2018-05-22 09:54:20 أوهام روسيا حول موقف أوروبا من الاتفاق النووى الإيرانى 2018-05-15 13:12:51 محفوظ بين دوستويفسكى وجوجول 2018-05-08 12:30:50 نجيب محفوظ ومحمد صلاح 2018-05-01 16:02:43
    للأعلى