وجهة نظر

الرسائل المهمة للعقوبات الأمريكية الجديدة على روسيا

2017-10-31 11:00:39 |
  • د.أشرف الصباغ
  • على الرغم من تقليل موسكو من قيمة العقوبات الأمريكية على روسيا، وعلى الرغم من الحملات الإعلامية والسياسية والبرلمانية المتوالية من أجل التأكيد على أن الاقتصاد الروسى لم يتأثر إطلاقا بالعقوبات الأمريكية والأوروبية.

    إلا أن الولايات المتحدة وسَّعت عقوباتها مجددا، ما يعنى أن واشنطن تدرك جيدا أن هذه العقوبات لها فوائد معينة، وأن العقوبات لا تسفر عن نتائج فورية بين يوم وليلة.

    العقوبات التى فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية على روسيا هذه المرة شملت 39 شركة روسية لتصنيع الأسلحة أو مؤسسات لها علاقات بتلك الشركات، إضافة إلى مؤسسات صناعية وأمنية مثل مجمع الصناعات العسكرية وجهاز الأمن الفيدرالى والاستخبارات.

    وهناك معلومات مؤكدة بأن الاتحاد الأوروبى سيسير على نفس هذا الخط، وسيعلن قريبا ليس فقط عن تمديد عقوباته ضد روسيا، بل وأيضا توسيع هذه العقوبات، وذلك على عكس الأوهام التى ترددها وسائل الإعلام الروسية وبعض الساسة والمحللين الروس بأن هناك انقسامات حادة بين الأوروبيين من جهة، وبين الأوروبيين والأمريكيين من جهة أخرى، بشأن هذه العقوبات، وأن أوروبا متضررة ومستنفرة من العقوبات الأمريكية.

    عقوبات واشنطن الأخيرة والجديدة على موسكو تحمل عدة رسائل فى غاية الأهمية، على رأسها رسالة مهمة لحلفاء الولايات المتحدة فى منطقة الشرق الأوسط، والذين بدأوا بالتعاون مع المؤسسات الصناعية العسكرية الروسية، ورسالة مهمة لحلفاء روسيا من خارج الشرق الأوسط، ومفادها أن واشنطن ملتزمة بسياساتها تجاههم، وبحفاظها على أمنهم، وبردع روسيا أمنيا وعسكريا، ورسالة لروسيا نفسها، مفادها أنه مهما حاولت روسيا بسط نفوذها الأمنى والعسكرى فى أى من مناطق العالم، فلن يزيد ذلك عن نسبة ضئيلة من نفوذ وتأثير الولايات المتحدة، وذلك فى إشارة إلى أن ثمن جميع الصفقات العسكرية الروسية "النظرية" لا يتجاوز 50% من صفقة واحدة فقط، هى صفقة منظومات "ثاد" بين الرياض وواشنطن بقيمة 15 مليار دولار، والتى أفرجت عنها الأخيرة بعد يوم واحد فقط من إعلان موسكو عن توقيع بروتوكول تعاون مع الرياض يتضمن إمكانية توريد منظومات "إس – 400" بقيمة 2 مليار دولار.

    هناك أيضا الصفقة المتعلقة بنفس منظومات "إس – 400" مع أنقرة وبنفس قيمة الصفقة "النظرية" مع المملكة العربية السعودية، غير أن الصفقة الروسية – التركية تواجه فى الوقت الراهن عددا من المعوقات التى قد تنتهى إما بتقليصها إلى الحد الأدنى أو بتجميدها ثم إلغائها، لأن التوقعات تشير إلى أن الولايات المتحدة قد تقوم بتنفيذ صفقة "باتريوت" مع تركيا، على غرار ما فعلت مع السعودية، لتبقى روسيا بدون صفقات، أو فى أحسن الأحوال تحتفظ بآمال حول تنفيذ هذه الصفقات فى يوم ما.

    ولكن المهم لموسكو فى هذه الحالة، هو أنها تستخدم هذه الأوراق "النظرية" تماما فى مراوغات ومناورات إعلامية وسياسية، واللعب على التناقضات لتحصيل أى عوائد أو فوائد.

    إن العقوبات الأمريكية على روسيا، تندرج تحت خطة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، التى أعلن عنها فى فبراير الماضى، والتى تتعلق بتفكيك الارتباط بين روسيا وبعض حلفائها الحاليين، أو المتوقعين خلال الفترة المقبلة، وذلك بالضغط على روسيا وحلفائها عبر محاور عديدة فى وقت واحد، مع ترك هامش من المرونة لحلفاء واشنطن لوضع الخصم أمام خيار واحد فقط، ولكن روسيا لديها أوهام بوجود انقسامات وصراعات، سواء بين الأوروبيين أو بين الأوروبيين والأمريكيين.

    هذه العقوبات تعتبر إحدى نتائج ما يسمى بالتدخل الروسى فى الانتخابات الأمريكية، ولكن فى الحقيقة، هناك ملفات أخرى ذات صلة، مثل الملفين السورى والأوكرانى، إضافة إلى تحركات ونشاط موسكو فى منطقة الشرق الأوسط وبعض المناطق التى تعتبرها واشنطن حدائق خلفية، أو مناطق نفوذ لها، خاصة وأن المنطقة والعالم على أعتاب إنهاء المرحلة الأولى من الأزمة السورية بدحر داعش، والدخول إلى المرحلة الثانية التى ستهتم بعدد من البنود، على رأسها الصراع السياسى والعسكرى بين المعارضة السورية ونظام الأسد، ومصير الأسد شخصيا، وبالتالى، ليس مفاجأة أن تعلن موسكو وواشنطن فى وقت واحد تقريبا بأنهما لن تغادرا سوريا حتى بعد الإعلان عن هزيمة داعش.

    خلال المرحلة الثانية من الأزمة السورية، ووفق إشارات سياسية ودبلوماسية غربية وروسية ستظهر تحالفات غير متوقعة، وتحولات فى المواقف، للعديد من أطراف الأزمة السورية.

    هذا مع الإشارة أيضا إلى عدم امتلاك روسيا أى استراتيجية متوسطة أو بعيدة المدى لتسوية الأزمة السورية، بينما تناور الولايات المتحدة باستراتيجيات متعددة ومرنة، انطلاقا من وجودها وتأثيرها فى المنطقة، ومن تحالفاتها الواسعة أوروبيا وشرق أوسطيا، وذلك فى إشارة واضحة إلى أن واشنطن بدأت تمسك بزمام المبادرة من جديد، وتطرح هى الأخرى مناطق لما يسمى بـ "خفض التوتر"، وتعيين سلطات محلية للمناطق التى تسيطر عليها فى سوريا، تمهيدا لمفاوضات سياسية قد تكون أكثر قسوة من الاشتباكات المسلحة، هذا على الرغم من أن الأخيرة ستبقى أيضا، ولكن بين المعارضة السورية ونظام الأسد وفق معايير جديدة تتماشى مع متطلبات المرحلة الثانية من الأزمة.

    هذا التحرك الأمريكى ظهر على الفور مع بداية اليوم الأول لمشاورات "أستانا 7" الذى بدأ بسقف منخفض للغاية على عكس الطموحات والإعلانات السياسية والإعلامية التى طرحتها روسيا، حيث فشلت موسكو فى مساعيها فى اجتذاب دول بصفة مراقب فى أستانا، وهى التى كانت تصول وتجول وتعلن بأنها تبحث هذا الأمر مع 5 دول هى الصين ومصر والإمارات والعراق ولبنان، بل وسرَّبت أخبارا بأن السعودية قد تشارك بصفة مراقب أيضا فى أستانا، ولكن اتضح أن الإعلانات السياسية كانت مجرد رفع سقف التوقعات والترويج لصيغة أستانا، بينما وسائل الإعلام الروسية تعيش حالة من العزلة والابتعاد تماما عن الواقع، والتركيز على تناقضات إما وهمية أو هامشية، وعلى تصفية الحسابات ودق الأسافين، والتأويلات الخاطئة أو غير الدقيقة للتصريحات، سواء الروسية أو الغربية، وهى الأمور التى تنعكس على السياسة الروسية نفسها بالسلب.

    أشرف الصباغ
    إقرأ أيضاً
    فى حب الرئيس ترامب 2018-10-09 13:30:51 جائزة نوبل للتحرش 2018-10-02 12:47:53 «إس – 300» الحائرة فى سوريا 2018-09-25 19:42:09 مصير بوتين وأردوغان فى إدلب 2018-09-18 10:51:34 فك الارتباط بين الأغا والقيصر 2018-09-11 13:31:37 انتصارات الرئيس بشار الأسد 2018-09-04 14:16:22 سوريا.. الاحتمالات مفتوحة ما عدا الحرب 2018-08-28 14:02:19 كاتبنا نجيب محفوظ الذى..! 2018-08-21 16:59:59 روسيا وضرورة تغيير أمريكا 2018-08-14 15:13:45 جوزيه ساراماجو فى نقد الفصام 2018-08-07 13:51:52 البشرية من الفناء إلى التحول 2018-08-01 09:04:02 أسقف إسرائيل العالية 2018-07-24 18:00:12 الخطأ الوجودى لترامب 2018-07-18 09:06:44 السيد الروسى فى جنوب سوريا 2018-07-10 14:01:18 الموقف المصرى فى سوريا وتنوع العلاقات 2018-07-03 16:10:34 قمة بوتين وترامب بين الوهم والخيال 2018-06-27 18:32:48 البطيختان الإيرانية والتركية 2018-06-19 15:16:30 القمة الأمريكية - الكورية الشمالية بحد ذاتها!  2018-06-12 18:15:16 مخاوف إيران من روسيا فى سوريا   2018-06-05 14:44:32 إرادة الجند فى رحاب العاشر من رمضان 2018-05-29 14:02:30 إيران وروسيا ولغة المصالح بعد شروط الولايات المتحدة 2018-05-22 09:54:20 أوهام روسيا حول موقف أوروبا من الاتفاق النووى الإيرانى 2018-05-15 13:12:51 محفوظ بين دوستويفسكى وجوجول 2018-05-08 12:30:50 نجيب محفوظ ومحمد صلاح 2018-05-01 16:02:43
    للأعلى