وجهة نظر

الفيلسوف أم العالِم؟

2017-10-26 11:14:53 |
  • إيرينى ثابت
  • إيرينى ثابت

    منذ أيام قليلة كان الدكتور مراد وهبة فى ضيافة المذيع المفوه.. وإذا بالأخير يسأله: هل تعتقد يا دكتور أن مصر تحتاج الآن إلى فيلسوف أم عالم؟ "بكسر اللام طبعاً"..

    ورغم خطأ السؤال أجاب الدكتور وهبة بأن مصر تحتاج إلى فلاسفة، بل ويحتاج لهم كل العالم "بفتح اللام طبعًا"..

    والسؤال، خطأ فادح.. فلا يمكن لمجتمع ما فى أى زمن الاستغناء عن الفيلسوف ولا العالِم.. ولا يوجد أى وجه للمفاضلة بينهما.. إذ لكل منهما دور يتميز عن الآخر ويكمله.. ولأننا لا نعرف الفرق بين الخطة والتنفيذ، وبين العقل والأدوات، وبين الفكر والتطبيق؛ لا نفهم من هو الفيلسوف ومن هو العالِم.

    السؤال الصحيح هو أيهما يسبق الآخر؟ هل تأتى الفلسفة أولًا ثم العلم؟ أم يأتي العلم أولًا ثم الفلسفة.. ولو أنه فى الحقيقة سؤال ساذج إلى حد كبير.. فلا يمكن أن نطبق نظرية لم توضع بعد!.. ولا ينفع أن تسير مؤسسة ما دون "رؤية"!.. ولا ينمو العلم فى مجتمع ما قبل أن تتكون عقول مواطنيه!.. ولا ينتج علم دون فكر!

    العقل يسبق الإنتاج.. والفكر هو الذى يحكم المجتمع البشرى بكل نواحيه ويرسم نواصيه ويقرر مستقبله.. إذا انفتح فكرك زادت رحابة اللغة التى تستخدمها، وصارت أحلامك أكبر، وآمالك أكثر.. انفتاح الفكر وكسر القيود عليه هو الذى يفتح للعلم آفاقًا من الابتكار والاختراع والاكتشاف.. وتبقى حقيقة عالمية هى أن الدكتوراه هى "PhD" أى أنها دكتوراه فى فلسفة العلم.. وهو فكر ليس بجديد إذ أن الفلسفة كانت وما تزال أم العلوم، لأنها هى التى تضع التساؤلات المفتوحة وتطلب الإقناع والدليل، فيجيبها العلم بابتكار واختراع ما يحقق أحلام الفلسفة ويجعل من آمالها واقعًا.

    أما لماذا لا تتقدم المجتمعات التى ترفض الفلسفة؟!.. فهذا قطعًا مفهوم.. مَن يرفض الأفكار والتساؤلات وهدم الموروثات والخروج عن المألوف، يقبع فى ظلام أبدى ولا يتقدم قيد أنملة بل يعود إلى الوراء مكتفيًا باستهلاك ما يقدمه العلم من جديد فى مجتمعات أخرى تقدس الفكر وتتقدم يومًا بعد يوم لأنها تستثمر فى الأفكار قبل المعامل، وفى التعليم قبل المصانع.

    ثم قال الفيلسوف الدكتور مراد وهبة، أن الفلسفة تتراجع ليس فى منطقتنا فحسب، بل وفى العالم بأسره، وأنها ظاهرة سلبية وقد رأى أن سببها الرئيسى هو انتشار حركات التطرف الفكرى الأصولى، ورفض تلك الجماعات الأصولية للتفلسف ولدراسة الفلسفة لأنها تفسد دعاواهم المتطرفة وتحث الشعوب على التفكير ورفض ما لا يقبله العقل ولا تقبله الإنسانية، وبالتالى رفض تلك الدعوات الإرهابية، وقال أيضًا إن التمويل الكبير لتلك الجماعات جعلها تحارب الفلسفة بطرق ممنهجة ممولة قضت على تقدم الفكر!

    أحزننى ما قاله الدكتور وهبة!.. وإذا لم ينتبه العالم إلى مستقبل الفكر، واكتفى ببراجماتية المال، وتخلى عن أخلاقياته الإنسانية، قد ندخل بالضرورة وبالمعلوم من حركة التاريخ على عصر من التخلف والتقوقع الحضارى والجمود الفكرى وتتغلغل القوى الظلامية لتبيد الفيلسوف والعالِم "بكسر اللام" والعالَم كله "بفتح اللام"!

    إيرينى ثابت
    للأعلى