وجهة نظر

حوار القديس والملك

2017-10-24 09:31:24 |
  • أسامة سلامة
  • بينما كانت قوات الصليبيين تحاصر مدينة دمياط، أصر فرنسيس الذى رافق الحملة ولم يشارك فى القتال على الذهاب إلى معسكر المسلمين للقاء الملك الكامل وتبشيره هو وجنوده بالمسيحية.

    لم يلتفت فرنسيس الأسيزى، الذى أعلنته الكنيسة الكاثوليكية قديسًا بعد وفاته، للمخاوف التى حاول قادة الصليبيين بثها فى داخله، مثل أنهم سيقتلونه وأن المسلمين وحوش لا قلب لهم.

    التقى الملك الكامل وفرنسيس بالفعل وتحاورا حول الإسلام والمسيحية، وسمح له الكامل بالتجول فى معسكر المسلمين، واكتشف القديس أن المسلمين يعبدون الله وأنهم ليسوا وحوشًا، وراقه صوت الآذان وتأثر ببعض المفردات الإسلامية، خصوصًا أسماء الله الحسنى، والتى استخدمها فى صلاته عند عودته إلى بلاده.

    كان الملك الصالح قد تعلم على يد أمه المحبة والسماحة، ولذلك تحاور مع فرنسيس كما بعث إلى الصليبيين أثناء حصارهم لدمياط عارضًا أن يترك لهم بيت المقدس مقابل فك الحصار والعودة إلى بلادهم، ولكن قادة الصليبيين رفضوا متصورين أنهم سيملكون مصر، ولكن دارت الدائرة عليهم.

    بعد دخولهم دمياط وأثناء توجههم إلى القاهرة صادف ذلك فيضان النيل وفتح الملك الصالح الجسور وامتلأت الأرض بالمياه ما جعل جنود الصليبيين فى موقف صعب إذ تم حصارهم وانتشرت بينهم الأوبئة والمجاعة، ولكن الكامل أرسل إليهم بالخبز رافضًا الهجوم عليهم وإبادتهم.

    رحل الصليبيون وانتهت الحرب، وبقى حوار القديس والملك هو الأهم والذى ذكر كثيرًا فى الكتب التى أرّخت للحروب الصليبية وللملك الكامل وللقديس فرنسيس، هذا هو ملخص للفيلم التسجيلى الذى عرضته مكتبة الإسكندرية الأسبوع الماضى، وبعد العرض دارت مناقشات عديدة خلال الحوار الذى أداره باقتدار الدكتور سامح فوزى، وكان أهم ما جاء فيه ملاحظات الإعلامى حمدى رزق أن مثل هذه الأفلام موجهه للغرب لأنها لا تناقش الواقع المصرى ولا تقترب من المشاكل العالقة بين المسلمين والمسيحيين، وهو أقرب إلى أفلام الدعاية، كما أن الكاتب محمد جمال الدين طرح سؤالاً مهمًا حول نتائج الحوار بين الأزهر والفاتيكان.

    أشار جمال الدين إلى أنه لا يرى له أثرًا على الواقع المصرى، وكان ذلك ردًا على ما قاله الدكتور كمال بريقع والأب رفيق جريش حول أهمية هذا الحوار وإشادتهما به فى معرض كلامهما عن الفيلم، وعندما دلل الدكتور بريقع على وجود الحوار فى المجتمع المصرى بزواج المسلم مسيحية، رد الكاتب عاصم حنفى أن فقهاء الإسلام يرفضون زواج المسيحى من مسلمة، وهو ما رد عليه بريقع بقوله إنه لا يلزم أن يأخذ المسيحى كل الإسلام ونفس الأمر للمسلم الذى ينتقى من المسيحية ما يلائمه.

    ما سبق ملخص لما حدث من مناقشات مهمة، ولكن تبقى بعض الملاحظات، الفيلم مليئ بالحوارات ذات الدلالة:

    الأضعف: من وجهة نظرى ما دار بين القديس والملك فهو حوار بين اثنين لديهما الاستعداد للحوار والمحبة والسلام، أى أنه أقرب إلى حوار النخبة.

    الأخطر: كلام الملك الصالح مع العوام والمتطرفين عندما حاول إقناعهم بعدم بناء مسجد بدلاً من كنيسة وادعائهم أنه كان موجودًا قبل الكنيسة، ولم يحمه من اعتدائهم عليه سوى الجنود الذين أحاطوا به، وكذلك حوار فرنسيس مع جنود الحملة الصليبية فى محاولة منه لإقناعهم بوقف الحرب وعدم إراقة الدماء، كلا الحواران فشلا ولم يقتنع العوام والمتطرفون بوجهة نظر الملك والقديس، وهو ما يذكرنا بما يحدث على أرض الواقع الآن.

    الأهم: حوار الأم مع ابنها الذى أصبح فيما بعد الملك الكامل وتربيتها له على المحبة والسلام، وهى إشارة مهمة لجدوى التعليم والتربية فى الصغر على هذه القيم، الفيلم مهم رغم كل الملاحظات ويثير الكثير من المناقشات، وليت مكتبة الإسكندرية تتبنى هذه النوعية من الأفلام والتى تصاحبها مناقشات جادة وهو ما أثق به فى ظل وجود الدكتور مصطفى الفقى على رأسها ومعه المثقفين النشيطين الدكتورين خالد عزب وسامح فوزى.

    أسامة سلامة
    للأعلى