وجهة نظر

سوريا ما بعد داعش!

2017-10-24 09:16:37 |
  • د.أشرف الصباغ
  • تتسابق كل من روسيا والولايات المتحدة على الإعلان حول قرب الانتهاء من القضاء على تنظيم داعش الإرهابى فى سوريا، وتحرير المناطق التى تقع تحت سيطرته.

    هذا السباق أسفر عن ظهور توجهات رئيسية للمرحلة الثانية من الأزمة السورية، أو بالأحرى تشكيل المشهدين الميدانى والسياسى، تمهيدا للدخول إلى تلك المرحلة التى ستكون خالية من "ورقة مكافحة الإرهاب فى سوريا"، وبالتالى، تجريد كل طرف من حجته بشأن مكافحة الإرهاب، والإبقاء على مشهد المواجهة بين معارضة سياسية لها قواتها وأراضيها ورعاتها، وبين نظام له قواته ورعاته أيضا.

    التوجه الأول، يؤكد النجاح فى القضاء على داعش فى سوريا، مع وجود بعض المخاوف من وجود جيوب إرهابية بسيطة. التوجه الثانى، يدعو إلى إعادة إعمار سوريا والتمهيد للدخول إلى تسوية سياسية. التوجه الثالث، إعلان المخاوف والتحذيرات من إمكانية تقسيم سوريا، والدعوة للحفاظ على وحدة أراضيها.

    هذه التوجهات ليست جديدة، ولكنها تكتسب أهمية قصوى على خلفية إعلان موسكو وواشنطن بنجاحهما، مع حلفائهما بطبيعة الأمر، فى إخراج الدواعش من سوريا، ولكن المشهد المقابل هو قيام روسيا والولايات المتحدة بتمكين حلفائهما من السيطرة على مدن ومساحات جغرافية، قد يستتبعها إجراء انتخابات أو صيغ معينة لاستحداث أشكال إدارية لهذه المناطق. والحديث يدور هنا حول نظام الأسد بالغطاء الروسى، وفصائل المعارضة السورية بغطاء أمريكى.

    يبدو هذا المشهد فى غاية المثالية والميكانيكية. غير أن الولايات المتحدة أعلنت، على لسان رئيسها دونالد ترامب، أنها ستبدأ مرحلة جديدة من سياستها فى سوريا. وقال ترامب "إننا سننتقل قريبا إلى تنفيذ مرحلة جديدة سنقوم فى إطارها بدعم قوات الأمن المحلية وخفض مستوى العنف فى جميع أنحاء سوريا وتهيئة الظروف الملائمة لإحلال سلام مستدام بطريقة لن تسمح للإرهابيين بتهديد أمننا الجماعى مرة أخرى.. وستؤيد الولايات المتحدة، بالتعاون مع حلفائها وشركائها، "المفاوضات الدبلوماسية من أجل إنهاء العنف وتمكين اللاجئين من العودة إلى وطنهم بصورة آمنة، وتوفر عملية انتقالية سياسية تستجيب لإرادة الشعب السورى".

    وعلى الفور بدأت واشنطن وباريس وبرلين بالإعلان عن البدء فى إعادة إعمار سوريا. وهو ما أثار انزعاج روسيا بشكل واضح، خاصة وأن الرئيس الروسى فلاديمير بوتين كان قد حذَّر قبلها بيومين فقط من إمكانية تقسيم سوريا، ودعا هو أيضا إلى إعادة إعمارها. وفجأة أعلنت وزارة الدفاع الروسية بأن "الرقة لم تلبث أن التقطت أنفاسها من قصف التحالف الدولى، فتعالت التصريحات فى واشنطن وباريس وبرلين من قبل قادة رفيعى المستوى لتقديم تمويل مستعجل بقيمة عشرات ملايين الدولارات واليورو، بزعم أن هذه الملايين يجب أن تصرف لإعادة الحياة السلمية فى المدينة. إننا نرحب بهذا التجاوب، لكن هناك أسئلة". وأعربت عن اعتقادها أيضا بأن سبب هذه الخطوة يعود إلى "الرغبة فى إخفاء آثار القصف الوحشى لطيران التحالف الدولى والأمريكيين بسرعة والذى دفن تحت الأنقاض فى الرقة آلاف المدنيين المحررين من تنظيم "داعش".

    فى الواقع، موضوع تساؤلات روسيا وقلقها ليس هو الأساس، لأن كل الأطراف تتهم بعضها البعض بالقصف الوحشى والقتل الوحشى والقمع الوحشى، واستخدام الأسلحة الكيماوية والغازات السامة. المسألة تتعلق بمخاوف روسيا من تقسيم سوريا، وهو الأمر الذى أعلن الكثير من الخبراء والمراقبين مخاوفهم بشأنه منذ بداية طرح روسيا مناطق ما يسمى بـ "تخفيف التوتر". والمعروف أن روسيا تحديدا هى التى بادرت بطرح هذه الصيغة. وفى الحقيقة لم يعترض أحد مثلما لم يعترض أحد أيضا عندما دخلت القوات الروسية إلى سوريا. كل ما هنالك أن روسيا تطرح المبادرات وتحاول تنفيذها كأمر واقع انطلاقا من مصالحها ومصالح حلفائها، بينما الغرب يعتمد هو الآخر سياسة أمر واقع مختلفة وفق مصالحه ومصالح حلفائه وتوجهاتهم.

    لقد اكتشفت روسيا، فجأة، ورغم كل التحذيرات، أنه لم يكن هناك أى ضمانات لمسألة عدم تقسيم سوريا، وذلك عندما بدأت بصيغة "أستانا" وحاولت تسويقها إقليميا ودوليا. وانتهى الأمر بوجود ثلاث دول ضامنة هى روسيا وتركيا وإيران تتواجد قواتها على الأراضى السورية، إضافة إلى قوات أخرى من دول التحالف. هذا بالإضافة إلى الخلافات الجوهرية بين تلك الدول الثلاث الضامنة، والخلافات بينها وبين الولايات المتحدة وبقية دول التحالف. وهناك التناقضات بين نظام الأسد نفسه وبين موسكو بشأن هذه المناطق وتواجد القوات التركية على الأراضى السورية. كل ذلك أسس لأمر واقع فى غاية الخطورة، وهو ما تم التحذير منه حتى قبل دخول القوات الروسية إلى سوريا.

    المشهد الحالى يُذَكِّرُنا بمشهد برلين الغربية فى مايو 1945، سواء فى دير الزور أو فى الرقة أو فى سوريا كلها، مع بعض الاختلافات فى التفاصيل. فروسيا هى التى بدأت بالحديث عن إعادة بناء سوريا فى أكثر من مناسبة. والآن تدعو الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا إلى نفس الشئ، وقريبا ستنضم بريطانيا وإيطاليا ودول أوروبية وعربية أخرى إلى الدعوة الأمريكية. لكن المثير فى الدعوة الأمريكية أنها لا تتضمن أى مناطق لها علاقة بالروس أو بنظام الأسد. كما أن هذه الدعوة مرتبطة بمواصلة واشنطن والتحالف الدولى فى دعم حلفائهما من المعارضة السورية بالسيطرة على هذه المناطق، وربما تجرى فيها فى ما بعد انتخابات محلية، كامتداد طبيعى لإنشاء المجالس المحلية التى تجرى حاليا. ما يعنى شئنا أم أبينا أن الأمور تتجه إلى تأسيس أمر واقع بخطوط إدارية فاصلة فى سوريا. وهذا هو سر تعجل روسيا ونظام الأسد فى السيطرة على المناطق الأكثر كثافة سكانية، ظنا منهما أنهما قادران على إجراء أى شكل من أشكال الانتخابات والإبقاء على بشار الأسد رئيسا لسوريا التى لا يعرف أحد ماذا سيكون شكلها خلال المرحلة الثانية من الأزمة السورية، أى مرحلة ما بعد التخلص من داعش فقط.

    إن روسيا، كعادتها، تعود إلى التاريخ القريب والبعيد، وتُذَكِّر الرأى العام بأنها دعت الولايات المتحدة ودول التحالف والغرب كله إلى إعادة إعمار سوريا، ولكن لا أحد استمع إليها. وتؤكد أن لها السبق فى طرح الفكرة، ولكن الغرب رفض التعاون معها ومع نظام الأسد وإيران فى إعادة البناء. ومن جهة أخرى تؤكد مرارا وتكرارا أنها القوة الشرعية الوحيدة الموجودة فى سوريا، بينما قوات التحالف غير شرعية، وفى الوقت نفسه تتعامل مع قوات التحالف وتدعوهم للتعاون. ثم تدعو تركيا للدخول إلى إدلب أمام معارضة نظام الأسد الذى يرى أن الوجود التركى غير شرعى.

    باختصار، روسيا تريد أن تتحكم فى مفاتيح عملية إعادة الإعمار، وتضع هى الشروط، وأن يقبل الغرب بهذه الشروط وبالشكل الذى يخدم مصالح موسكو، ويحافظ على وضع إيران كأداة للضغط، ويُبقى على الأسد فى السلطة، ويجعل من تركيا ألعوبة وأداة للمساومة.

    أشرف الصباغ
    إقرأ أيضاً
    الخطأ الوجودى لترامب 2018-07-18 09:06:44 السيد الروسى فى جنوب سوريا 2018-07-10 14:01:18 الموقف المصرى فى سوريا وتنوع العلاقات 2018-07-03 16:10:34 قمة بوتين وترامب بين الوهم والخيال 2018-06-27 18:32:48 البطيختان الإيرانية والتركية 2018-06-19 15:16:30 القمة الأمريكية - الكورية الشمالية بحد ذاتها!  2018-06-12 18:15:16 مخاوف إيران من روسيا فى سوريا   2018-06-05 14:44:32 إرادة الجند فى رحاب العاشر من رمضان 2018-05-29 14:02:30 إيران وروسيا ولغة المصالح بعد شروط الولايات المتحدة 2018-05-22 09:54:20 أوهام روسيا حول موقف أوروبا من الاتفاق النووى الإيرانى 2018-05-15 13:12:51 محفوظ بين دوستويفسكى وجوجول 2018-05-08 12:30:50 نجيب محفوظ ومحمد صلاح 2018-05-01 16:02:43 ماذا يمنع روسيا من تسليم «إس 300» لبشار الأسد! 2018-04-24 10:07:11 بوتين والمواجهة مع أمريكا 2018-04-17 13:33:58 الحرب السورية 2018-04-10 11:42:45 حصار الغرب لروسيا وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها 2018-04-03 12:48:49 سوريا ما بعد الافتراضية 2018-03-27 14:40:58 سكريبال ونوفيتشوك وبوتين 2018-03-20 09:27:04 مصير كأس العالم أمام اختبار مواجهات روسية أمريكية! 2018-03-13 11:23:34 ماذا ستفعل روسيا إذا ضربت أمريكا الأسد! 2018-03-06 16:27:24 مفاجآت روسيا ومعجزاتها فى سوريا 2018-02-27 10:45:56 التسخين نحو الحرب فى سوريا.. ولا حرب! 2018-02-20 14:53:09 نقلة الشطرنج الأمريكية - الإسرائيلية الجديدة فى سوريا 2018-02-13 15:39:00 الثلاثى الضامن لاستمرار الحرب فى سوريا 2018-02-06 10:55:49
    للأعلى