وجهة نظر

معارضون أم مسفون؟

2017-10-17 15:08:18 |
  • محمود بسيونى
  • كان للرئيس عبد الفتاح السيسى جملة فى غاية الأهمية، خلال أعمال الندوة التثقيفية التى عقدتها إدارة الشؤون المعنوية بالقوات المسلحة بمناسبة أعياد أكتوبر.

    الرئيس قال نصًا إنه "لا يضيق بالنقد ويرحب بالآراء المعارضة والمختلفة إذا كانت دارسة للموضوع وأبعاده"، ما تناوله الرئيس هو المفهوم الحقيقى للمعارضة، فالفهم والمعرفة أساس الرأى السليم، والمعارضة الحقيقة تطرح رؤى مختلفة بهدف تصحيح المسار أو تقويم الاعوجاج، أما طرح الأفكار المعارضة عن جهل ودون دراسة كافية بهدف تشكيك الناس وصناعة مساحات احتقان بين الدولة والمواطن، فذلك يجنح بالمعارضة إلى المكايدة ويهبط بلغة السياسة إلى مستوى الإسفاف ومشاجرات الشوارع التى لا تفيد لا المواطنَ ولا الوطنَ .

    أغلب تعليقات المعارضة أو من أطلقوا على أنفسهم "النخبة" على مشروع العاصمة الجديدة، مارست ما يمكن أن نطلق عليه "العجرفة المعرفية" Epistemic Arrogance، وتعرفها من خلال قياس الفرق بين ما يعرفه شخص ما فعلا وبين ما يعتقد فى نفسه أنه يعرفه، فان هذا الفرق إن وجد يدل على العجرفة والغرور ونقص التواضع، أما صاحب المعرفة الديمقراطى فيكون على شىء من التواضع المعرفى، فهو ينظر إلى معرفته بكثير من الريبة والتحفظ.

    وإذا طبقنا تلك القاعدة على الآراء التى صاحبت تدشين العاصمة الإدارية الجديدة نجدها تطبق ذلك المفهوم حرفيًا، بل وتمارس تجهيلًا مخلًا بأهمية الحدث، فمنهم من كرّس كل وقته ومجهوده لمهاجمة المشروع والتشكيك فى جدواه، مثل الأستاذ الأكاديمى المعارض الذى لا يرى أن عمليات إنشاء العاصمة الإدارية تدخل ضمن عمليات التنمية، والآخر الذى لا يرى فيها حلًا للزيادة السكانية المتوقعة، وثالث يروج شائعة عن مهام سرية تتم عبر مطار العاصمة الجديدة، كما يتحدث عن "تسقيع" للأراضى و بناء أسوار لحجب العاصمة عن المصريين.

    غابت الموضوعية عن تلك الآراء وأصبح استيعابها تحت عنوان المعارضة المرحب بها صعبا حتى من باب النقد السياسى، وكشفت عن جهل عميق بطبيعة الشعب المصرى وحضارته المعروفة بالبناء، فالإنسان المصرى "بنّاء" يقدر البناء والتشييد، ويحترم من يقوم بذلك.

    الأمر الثانى أن هناك شبه إجماع منذ سنوات طويلة لمفكرين مصريين عظماء، حذروا من عدم قدرة القاهرة على استيعاب الزيادة السكانية فى المستقبل من بينهم أحمد بهاء الدين، والدكتور بطرس غالى رحمهما الله، الذى قال لى عام 2013 إن أوجاع القاهرة أصبحت بلا حل، وإن إنشاء عاصمة جديدة هو الطريق الوحيد لحل أزمة التكدس، وحينما استغربت الفكرة، قال لى: "وسع ذهنك وانظر للمستقبل.. مصر تحتاج لعاصمة جديدة وبشكل ملح .. الأمر لم يعد ترفًا بل ضرورة لتحسين حياة المصريين".

    من منا لم يحلم بأن يرى مدنًا مثل لندن أو باريس أو بكين أو دبى فى مصر؟!، أظن أن هذا الحلم داعب خيالنا جميعا، وهو يتحقق الآن بأيدٍ مصرية، وقد شاهدته بنفسى خلال زيارتى الأخيرة للعاصمة، و رأيت بعينى المجهود العظيم الذى تبذله الهيئة الهندسية للقوات المسلحة بالتعاون مع وزارة الإسكان وشركات المقاولات المصرية لإنشاء بنية تحتية وفق أحدث التقنيات ليصبح لدى مصر عاصمة جديدة ذكية على أحدث طراز عالمى، فالعالم المتحضر من حولنا يسير نحو تحسين جودة حياة المواطن وهو ما يحققه المشروع بوصفة أول تجربة مصرية فى إنشاء المدن الذكية التى تحل أزمة المواصلات وتعيد الآدمية لحياة الإنسان باللون الأخضر.

    خبرة المدن الذكية التى تديرها عبر تليفونك المحمول وتطبيقها على أرض الواقع هو ما كان ينقص شركات المقاولات المصرية الكبرى، وبالتالى تنفيذ ذلك المشروع سيكون شهادة خبرة عملية لكل الشركات المشاركة فى المشروع فضلا عن توفيره لآلاف فرص العمل، بما يساهم فى تراجع معدل البطالة.

    المبانى العملاقة التى سيبدأ العمل فيها فى حى المال والأعمال تسمح بتوطين الشركات الاقتصادية العملاقة التى تطلب اشتراطات معينة فى المبانى التى تقطنها، كما أنها ستكون قريبة من محور قناة السويس بما يمكنها من متابعة عملها، ويضاعف من حركة الاستثمارات القادمة لمصر مستقبلًا.

    وتأسيسًا على هذه النقاط يمكن الاستفادة بالتجربة المصرية فى مجالات إعمار الدول التى تعرضت للتدمير من حولنا، كما أن التجربة المصرية ستكون مصدر إلهام لعواصم أخرى مثل دمشق وطرابلس وبغداد، فى إطار عملية تصدير التنمية للأشقاء العرب وفق مخطط المشروع الوطنى المصرى، الذى أعلنه الرئيس السيسى على منصة الأمم المتحدة والقائم على العمل من أجل السلام والتنمية لكل دول الشرق الأوسط.

    والأهم هو ما أعلنه الرئيس مع بداية المشروع ثم عاد وأكد عليه فى الندوة التثقيفية وهو أن العاصمة الإدارية هى مشروع مربح للدولة المصرية وأن عائدها سيذهب لدعم قطاعات هامة مثل تحسين التعليم والصحة، وهما مطلبان ملحان فى ظل موازنة ضعيفة لا تمكن صانع القرار من اتخاذ الإجراء المناسب لزيادتهما، الدولة فكرت خارج الصندوق وقررت فتح باب استثمار جديد ومربح وربحت مرتين، عاصمة جديدة على أحدث طراز وأموال تنعش الخزانة العامة للإنفاق على تحسين حياة المصريين.

    لا أستهدف من وراء هذه الملاحظات الرد على أحد، فحرية الرأى والتعبير مكفولة، لكن وسط كل هذا الركام من الزيف والهذيان "المسف" و"المتعجرف" القادم ممن وصفوا أنفسهم بالنخبة، أقدم محاولة بسيطة لوضع النقاط على الحروف، ومخاطبة العقلاء من أصحاب الضمائر.

    وضع الإمام الشافعى قاعدة التعامل مع السفهاء حينما قال: "أعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِ السَّفِيه، فكلُّ ما قالَ فهو فيه"، وأعتقد أن ذلك هو التعامل الأمثل مع تلك الآراء فاقدة الأهلية، فما يحدث من هؤلاء الناس فاق كل التصورات وأفقد فكرة المعارضة قيمتها ودورها، وأصبح الأمر عبثيًا، فلم نسمع فى العالم أو عبر روايات التاريخ عن نخبة رفضت البناء والتنمية والتعمير والتقدم والحداثة، بل ويسعون بكل قوتهم لإثبات أن توفير حياة أفضل للناس قد تكون فى غير مصلحتهم أو تمثل خطرًا عليهم.. آراء لا تأتى سوى من قلوب سوداء، اشتاقت للفوضى والخراب الذى صنعته من قبل ويؤلمها رؤية النهضة والعمران.

    محمود بسيونى
    إقرأ أيضاً
    قصاصات جنيف 2018-09-19 14:23:42 مستقبلك الذى لن تراه فى هاشتاج 2018-09-01 17:41:01 أردوغان يبيع الإخوان فى سوق النخاسة 2018-08-14 17:12:26 أخونة التيار الناصرى 2018-08-07 17:17:42 مؤتمرات الشباب.. سلاح الردع 2018-07-30 20:11:36 الاستثمار فى البشر 2018-07-26 13:55:42 تحيا مصر والسودان 2018-07-19 15:38:26 على خط النار 2018-07-12 11:11:06 مفاجآت الحكومة الجديدة 2018-06-14 16:34:36 طريق الآلام بدأ من الدوحة 2018-06-07 17:20:14 رصاص بلا دوى 2018-05-31 12:33:56 فى انتظار معارضة متطورة 2018-05-21 16:11:10 الشيطان يسكن أكاديميات تنمية المهارات 2018-05-09 16:58:59 فى حضرة شيخ المشيخة 2018-05-03 17:04:03 ماذا لو صمت الجيوشى؟ 2018-04-23 14:31:32 تذكرة إلى جهنم 2018-04-18 17:44:13 روايات «علاء برايز» 2018-04-12 12:08:16 قراءة فى خطاب النصر 2018-04-03 12:56:33 عودة الاحتلال العثمانى 2018-03-21 19:00:47 مصر والسودان.. لنقتسم خبزنا معًا 2018-03-14 12:35:16 «بوصلة» الرئيس والأمير 2018-03-08 11:04:36 «استربتيز» ليليان داوود ورامى عصام  2018-03-01 17:32:09 سلاح التريليون دولار 2018-02-21 16:52:40 «بوتكس» أيمن نور 2018-02-14 13:38:47
    للأعلى